الملتقى الصوفى للنور المحمدى
عزيزى الزائر عزيزتى الزائرة يرجى التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضومعنا
او التسجيل معنا ان لم تكن عضو وترغب فى الانضمام الى اسرة المنتدى

سنتشرف بتسجيلك

شكرا لك
ادارة المنتدى

الملتقى الصوفى للنور المحمدى

الملتقي الصوفي للنور المحمدي
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  


شاطر | 
 

 مقاييس الأدب والطريق لمن يخشى على صدره من الضيق

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الهدهد السليماني
الاداره
الاداره
avatar

عدد المساهمات : 1976
نقاط : 12302
التفاعل مع الاعضاء : 35
تاريخ التسجيل : 05/11/2010

مُساهمةموضوع: مقاييس الأدب والطريق لمن يخشى على صدره من الضيق   الثلاثاء نوفمبر 05, 2013 1:35 am



 بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وأسوتنا وسيدنا وصاحب الأمر فينا وراعينا وحامينا والمنتظر الحق بأن يعفوا عنا ويشفع فينا سيدنا محمد النبي الأمي القرشي الكريم الأمين حبيب المولى عز وجل وسيد بني أدم من عرب ومن عجم وكل هذا لايكفيه ..............
 
  بنية صادقة وبحسرة على ماوصل إليه بعض المريدين في شتى الطرق في زماننا هذا حيث إنبهروا بقبسات الأنوار ووجدوا أنفسهم يحيدون على المسار دون أن يشعروا ودون إختيار
  وأحد أسباب هذا الإنجراف المخيف المفاهيم الخاطئة وإختلاط الآراء والأقول والإعتماد على الرأي في التشريع وهذا خطأ كبير
  ثانيها وهو لب موضوعنا وهذا النقل والتحقيق هو إساءة الأدب إبتداءا من النفس وهي إساءة أدب مع الخالق سبحانه وتعالى ويليها الشيء نفسه مع الشيخ ومه الإخوان و.........
 
     كماجاء في المنظومة الرحمانية لعلامة زمانه وفريد عصره وأوانه العالم العامل والقدوة الكامل ذي الأنوار الصمدانية ناشر الطريقة الرحمانية الشيخ سيدي عبد الرحمن بن أحمد بن حمودة بن مامش المعروف بباش تارزي الجزائري القسنطيني رحمه الله وهذه المنظومة وقف على تصحيحها العلامة الشيخ عبد الحميد إبن باديس رحمه الله بكامل رحمته
 
وأخذنا منها هذا الجزء من باب التقيد بموضوعنا الذي نحن بصدد الوقوف عنده
[rtl]قسمّ رحمه الله تعالى هذه الآداب إلى ثلاثة أقسام، الأوّل في أدب المريد في نفسه؛ والثّاني في أدبه مع شيخه، وحذف العاطف من قوله مع شيخك للوزن، وقوله المفيد نعت لشيخك؛ والثّالث في أدبه مع الإخوان، بحذف العاطف من إخوانك؛ والحيد الميل والتّنحّي، من حاد يحيد يتعدّى بالحرف والهمزة كذهبت به وأذهبته؛ وأشار بقوله خذ ترتيبيّا إلى أنّه ذكر كلّ قسم على حدّه. [/rtl]


[rtl]آدابـه في نـفـسـه [/rtl]


[rtl]فبدأ بآداب المريد في نفسه فقال [/rtl]


[rtl]﴿ أدبك في نفسك*ورعك في لبسك*وكذاك في شربك*واللقيمة الكليا [/rtl]
[rtl]﴿ خفيف في الطهاره*زاهد في الاماره*قائم في السحرا*تارك هوا نفسيا [/rtl]
[rtl]﴿ لا تجزعش من رزقك*وبخ يا أخي نفسك*لا تستبطاش فتحك*أعمالك مخفيا [/rtl]


[rtl]هذا هو القسم الأوّل من أقسام الآداب المتقدّم ذكرها قريبا، الّتي بها ينال المريد قمع نفسه، ويسقي بها فيض قدسه.[/rtl]
[rtl]* فأوّلها الوَرَع، وهو كفّ النّفس عن الشّبهات في المأكل والمشرب والملبس والمنطق، وكفّ السّمع والبصر واليد والرّجل والقلب والفرج عن كلّ ما لا يسوغه الشّرع، وعمدة ذلك الورع في الأكل والشّرب كما نبّه عليه المصنّف رحمه الله تعالى، وفي الحديث }من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه{، وقال صلّى الله عليه وسلّم لأبي هريرة }كنْ ورعا تكن أعبد النّاس{، وقال إبراهيم بن أدهم ]طَيِّبْ مطعمك وما عليك بعد ذلك أن لا تصوم ولا تقوم[.[/rtl]


[rtl]* ثانيها أن يكون ناهض الهمّة، خفيفا في مبدأ الطّهارة، خاليا عن الوسوسة فيها، جاريا فيها على القانون الشّرعيّ، لا يزيد على الغسلات الثّلاث، فإنّ الخير كلّه في الإتّباع، قال تعالى ﴿قل إن كنتم تحبّون الله فٱتّبعوني يحببكم الله﴾.[/rtl]


[rtl]* ثالثها أن يكون زاهدا في طلب التّقدّم والظّهور على غيره والشّهرة بالعلم أو بالعمل، بل يدفن وجوده في أرض الخمول، فإنّ ما نبت في غير أرض الخمول لا يتمّ نتاجه، لأنّ الزّهد في الدّنيا ومتعلّقاتها واجب على كلّ مَن أراد طريق الحقّ، قال تعالى في وصف الكافرين ﴿الّذين يستحبّون الحياة الدّنيا على الآخرة﴾، وذلك إنّما هو من أجل قضاء شهواتهم النّفسانية والتّلذّذ بها والتّخوّل فيها، فينبغي للمؤمن أن يكفّها على نقيض مفهوم الآية الكريمة.[/rtl]
[rtl]وفي الحديث }ٱزهدْ في الدّنيا يحبّك الله{، فعُلم أنّ سبب محبّة الله للعبد الزّهد في الدّنيا، وهذا أعلى مقام عند الله، لأنّ جميع الخلق غرضهم بالعبادة إنّما هو الوصول إلى هذا المقام، لأنّ الله تعالى إذا أحبّ عبدا اختاره لنفسه، فليس فوق هذا المقام إلاّ مقام النّبوّة، ومفهوم ذلك أنّ المحبّ للدنيا متعرّض لبغض الله تعالى له، نعوذ بالله، وإذا أبغض الله عبدا جعله من المُبْعدين المطرودين، وفي الحديث }حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة{، وقال سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه ]الزّهادة في الدّنيا راحة القلب والجسد[.[/rtl]


[rtl]* ورابعها أن يعوّد نفسه بقلّة النّوم، ولا سيّما وقت السّحر فإنّه وقت الإجابة والعطاء والتّجلّيات، لحديث }ينزل ربّنا إلى سماء الدّنيا في الثّلث الأخير من اللّيل فيقول هل من داع فأستجيب له، هل من عامل فأزكّي عمله، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه{ أخرجه البخاريّ وغيره.[/rtl]


[rtl]* خامسها أن يكون مخالفا لنفسه وهواه بعصا الشّريعة، محرقا لها بنار شدّة المخالفة، قاتلا لها بسيف المجاهدة، حُكي عن بعض الصّالحين [أنّ نفسه دعته في وقت من الأوقات إلى الجهاد فٱتّهمها في ذلك، إذ من عادة النّفس الأمّارة أنّها لا تدعو إلى الخير، فكيف تتصوّر دعوتها إلى فضيلة الجهاد الّذي فيه إتلاف النّفوس، فدعا الله تعالى أن يطلعه على دسيسة نفسه ومكرها، فرأى في نومه قائلا يقول له إنّ نفسك لمّا كنت تقتلها في اليوم قتلات كثيرة، وتخالفها فيما تهوى مرارا عديدة، دعتك إلى الجهاد لتموت فتستريح منك، فإنّ الموت أهون على النّفس من مخالفتها ومنعها ممّا تهواه[.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] سادسها أن لا يتخرّج من الفاقّة وشدّة الفقر والحاجة، وفي الحديث }لن يموت أحدكم حتّى يستوفي رزقه{، وعنه صلّى الله عليه وسلّم }لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتعود بطانا{، وقال تعالى ﴿وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها﴾؛ فينبغي للمريد أن لا يلتفت لذلك، بل يرفض أمر الرّزق وراء ظهره، ويفوّض أمره إلى الله تعالى، ولا يقول [/rtl]
[rtl]]كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا[،[/rtl]
[rtl]بل يعتمد قول صاحب الحكم اإجتهادك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك[.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] سابعها أن يوبّخ نفسه ويحثّها على الرّياضة والمجاهدة وتعمير الأوقات بأنواع العبادات، ويجتهد في السّعي في تقليل علائقها ما استطاع، فإنّ الحياة الدّنيا متاع والآخرة هي دار القرار، وليعتبر بالمتقدّمين والمتأخّرين، وأنّ مرجعهم إلى الله أجمعين، وفي ذلك قيل ]مَن خزّن درهما ربط نفسه بحبل، ومَن خزّن دينارا ربطها بحبلين، ومَن زاد من الدّنيا زاد في الحبال[.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] ثامنها أن لا يستبطئ الوصول، ولا يستبعد القرب والحصول، فإنّ ذلك ليس له غاية معلومة، ولا كيفيّة مرسومة، بل يعبد الله لوجهه الكريم، سواء فتح له عين قلبه ورفع عنه الحجاب أم لا، فإنّ العبادة من شرائط العبوديّة، قال الشّيخ الأكبر ٱبن عربيّ ]إيّاك أن تترك المجاهدة إن لم تر أمارات الفتح، بل دمْ على مجاهدتك، فإنّ الفتح بعدها أمر لازم له وقت لا يتعدّاه[، وقال ]ٱحذرْ أيّها المريد أن يكون قصدك من ذكرك وعبادتك الأجر والثّواب فإنّ ذلك حاصل ولا محالة، وإنّما ينبغي أن تكون همّتك التّلذّذ بمناجاته تعالى والفوز بمجالسته[.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] تـنـبـيـه، الاجتهاد في العبادة لا ريب في أن يوصّل إلى التّرقّي إلى المقامات الّتي لا تُحصى، والتّلقّي من النّفحات الّتي لا تُستقصى، بحيث أنّ السّالك يصل إلى مقام يقال فيه لا مقام، لأنّ الفيض الإلهيّ لا ينقطع ولا يفنى فكذلك التّرقّي، فمَن ظنّ أن السّلوك يوصّل إلى غاية أو إلى نهاية فهو جاهل كلّ الجهل، بل السّلوك إنّما يوصّل إلى معرفة الحقّ عزّ وجلّ، بمعرفة تجلّياته ونعمائه الإلهيّة، فيستعدّ القلب إلى معرفتها وتمييزها ومعرفة ما معها من الواردات، بجلاء مرآته وقطع مطامع النّفس وقهرها، والتّقرّب إليه سبحانه بامتثال مأموراته والوقوف عند منهيّاته والعمل بالنّوافل والإقتداء بالسّلف الصّالح، حشرنا الله في زمرة مَن عمل فٱلتحق بذلك الفريق، وذاق من المعارف الإلهيّة حلاوة التّحقيق.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] تاسعها أن يخفي أعماله وأحواله ما أمكن، حتّى يرسخ في مرعاة الله تعالى وحده دون غيره من خلق الله، وقد أجمعوا على ]أنّ المريد إذا أحبّ الظّهور وإطلاع النّاس على كمالاته فهو مقطوع، لا يجيء منه في الطّريق شيء[.[/rtl]


[rtl]عاشرها أشار إليه بقوله [/rtl]


[rtl]﴿ لا عندك محاسده*لا عندك*مخادعه*لا عندك مكاذبه*لا كبر أو عجب أو ريا [/rtl]


[rtl]يعني أنّ من جملة آداب المريد في نفسه أن لا يتلبّس بشيء من الحسد، لما روى الديلميّ في المسند }الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصّبر العسل{، وروى ٱبن ماجه }الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب{، وروى الطّبرانيّ }ليس منّي ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة{، وروى الإمام أحمد والتّرميذيّ }الحسد والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدّين لا حالقة الشّعر{.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] حادي عشر ما أشار إليه بقوله لا عندك مخادعة، المخادعة هي المكر والغشّ خُفْية، روى التّرميذيّ }ملعون من خان مؤمنا أو مكر به{، ورُوي }ليس منّا من غشّ مسلما أو ضرّه أو ماكره{، وفي الحلية لأبي نُعيم }مَن غشّ مسلما في أهله أو جاره فليس منّا{.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] ثاني عشر أشار إليه بقوله لا عندك مكاذبة، قبح الكذب معلوم من الدّين بالضّرورة، ولو لم يرد فيه إلاّ قوله تعالى ﴿إنّما يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون﴾، لكان كافيا.[/rtl]


[rtl]وأشار إلى الثّالث عشر وإلى الرّابع عشر والخامس عشر من آداب المريد في نفسه بقوله لا كبر أو عجب أو ريا. [/rtl]


[rtl]يقول أنّ من الآداب اللاّزمة للمريد في نفسه التّلبّس بالذّلّ، لأنّ النّهي عن الشّيء أمر بضدّه، ولا ريب في أنّ الكِبر ضدّ الذّلّ، فالكبر صفة تقوم بالنّفس تقتضي التّعاظم، وتنشأ من رؤية وجود النّفس، وفي الحديث القدسيّ }الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمَن نازعني فيهما قصمته{، وفي رواية }فمَن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنّم{، وروى الإمام مسلم }لا يدخل الجنّة مَن كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر{، ورُوي }مَن أحبّ أن يتمثّل له الرّجال قياما وجبت له النّار{، ورُوي }مَن رفع نفسه وضعه الله، ومَن وضع نفسه رفعه الله{، وفي الكتاب العزيز ﴿كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبّر جبّار﴾، وقال تعالى ﴿إنّ الله لا يحبّ المتكبّرين﴾.[/rtl]


[rtl]ومن آداب المريد في نفسه أن لا يتلبّس بشيء من العُجْب بضمّ العين وسكون الجيم، وهو تصوّر استحقاق رتبة لا يكون المرء مستحقّا لها، وقيل ]هو استعظام النّعمة مع نسيان إضافتها للمُنْعِم[؛ والتّخلّي منه من الآداب الواجبة، روى الدّيلميّ في مسنده }إنّ العُجْب ليحبط عمل سبعين سنة{، ورُوي }أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، ومَن قال إنّي عالم فهو جاهل، ومَن قال أنّه في الجنّة فهو في النّار{، ورُوي }ثلاث مهلكات، شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه{.[/rtl]


[rtl]ومن آداب المريد في نفسه التّخلّي من الرّياء وعدم التّلبّس به أصلا، وهو طلب المنزلة عند غيره تعالى بالعبادة، وأجمعوا على ]أنّه من أصول الأخلاق الذّميمة[، ويعبّر عنه بالشّرك الخفيّ؛ ويكون الرّياء بالبدن والهيئة والقول والعمل، وذلك كإظهار النّحول وإبقاء أثر السّجود ولبس الصّوف والوعظ وتطويل الصّلاة وتكثير التّلامذة.[/rtl]
[rtl]وورد في ذمّه من الأخبار والآثار ما لا يكاد ينضبط، فممّا رواه الإمام أحمد ومسلم والنّسائيّ }أنّ أوّل النّاس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد وأتى به فعرّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها، قال قاتلت فيك حتّى استشهدت فيك، قال كذبت ولكنك قاتلت ليقال جريء فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب حتّى ألقي في النّار؛ ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن وأتى به فعرّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها، قال تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت ولكنك تعلّمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار؛ ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه وأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها، قال ما تركت في سبيلك ممّا تحبّ أن ينفق فيها إلاّ أنفقت فيها لك، قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هذا جوّاد فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه ثمّ ألقي في النّار{.[/rtl]


[rtl]ثمّ أشار إلى السّادس عشر و السّابع عشر والثّامن عشر والتّاسع عشر من آداب المريد في نفسه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ لا تشبع من الطعام*لا تشبع من المنام*لا تغتب أخا الإسلام*لا تكن مماريا [/rtl]


[rtl]يعني من الآداب المتعيّنة على المريد في نفسه دوام الجوع والسّهر، وقد تقدّم الكلام عليهما، قال سيّدي إبراهيم الدّسوقيّ ]قوت المريد الصّادق الجوع، و وطره الخشوع، يصوم حتّى يرقّ ويلين وتدخل الرّقّة قلبه، وأمّا من شبع ونام ولغا في الكلام، فلا يجيء منه شيء في الطّريق والسّلام[.[/rtl]


[rtl]ومن الآداب الواجبة على المريد في نفسه ترك الغِيبة بكسر الغين المعجمة على وزن فعلة، وهي أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد اغتبته وإلاّ فقد بهتّه، وهي حرام بلا خلاف، قال تعالى ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا﴾، وفي الحديث }كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه{، وعنه صلّى الله عليه وسلّم }إيّاكم والغيبة فإنّها أشدّ من الزّنا{، وقال صلّى الله عليه وسلّم }مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون أوجههم بأظفارهم فقلت يا جبريل من هؤلاء، فقال هؤلاء الّذين يغتابون النّاس{، وقال قتادة ]أنّ عذاب القبر ثلاث أثلاث، ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النّميمة[، وقال الحسن ]والله للغيبة أسرع فسادا في دين المؤمن من الأكلة في الجسد[، وأوحى الله إلى موسى عليه السّلام [مَن مات تائبا من الغيبة فهو آخر مَن يدخل الجنّة، ومَن مات مصرّا عليها فهو أوّل من يدخل النّار].[/rtl]
[rtl] ومن آدابه في نفسه ترك المراء، وحقيقته الطّعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير، روى ٱبن حبّان أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال }أوّل ما نهاني ربّي عن عبادة الأوثان وعن شرب الخمر وعن ملاحة الرّجال{، وقال صلّى الله عليه وسلّم }مَن لاح الرّجال ذهبت كرامته{، وعنه صلّى الله عليه وسلّم }إنّ أبغض الرّجال إلى الله عزّ وجلّ الألدّ الخصم{، وقال صلّى الله عليه وسلّم }مَن جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله تعالى حتّى ينزع{، وقال تعالى ﴿فلا تمار فيهم إلاّ مراء ظاهرا﴾، وقال تعالى ﴿وقولوا للنّاس حسنا﴾، وقال صلّى الله عليه وسلّم }الكلمة الطّيّبة صدقة{، ولا ريب في أنّ القول الطيّب يضادّ المراء، فيؤخذ من الأمر بالقول الحسن النّهي عن ضدّه وهو القول القبيح وهو ظاهر.[/rtl]


[rtl]ثمّ أشار إلى الأدب المكمّل العشرين بقوله [/rtl]


[rtl]﴿ غض بصرك يا غلام*لا تجلس إلى قدام*أنف الغفلة والظلام*عن قلبك كليا [/rtl]


[rtl]يقول ومن آداب المريد في نفسه المتعيّنة عليه أن يغضّ بصره عن الصّور المستحسنة ما استطاع، فإنّ النّظر إليها كالسّمّ القاتل والسّهم الصّائب لاسيّما إن لابسه غرض فاسد؛ وعن النّظر إلى محارم المسلمين، وعن النّظر إلى مسلم بعين الاحتقار، وعن عيوب النّاس، فإنّ ذلك كلّه من علامات الإفلاس.[/rtl]


[rtl]ومن آدابه في نفسه أن لا يتصدّر في المجالس، وهو المشار إليه بقوله لا تجلسْ إلى قُدّام، لأنّ سبب ذلك رؤية النّفس، وهو من أعظم أمراض القلب، وفي ذلك قيل [/rtl]
]ولا ترين في الأرض دونك مسلما ولا كافرا حتّى تغيب في القـبـر
[rtl]فإنّ خـتـام الأمر عنك مغـيّـب ومَن ليس ذا خسر يخاف من المكر[،[/rtl]
[rtl]وهذا الأدب هو الواحد والعشرون.[/rtl]
[rtl]وقوله أنف الغفلة والظّلام عن قلبك أمر بالسّعي بالجدّ والاجتهاد في الأسباب المزيلة للغفلة عن ذكر الله تعالى وللحجب الظّلمانيّة؛ وقوله كلّيّا صفة مصدر محذوف، أي أنف ما ذُكر نفيا كلّيّا حتّى لا يبقى للغفلة على القلب سبيل.[/rtl]


[rtl]الثّاني والعشرون من آداب المريد في نفسه أشار إليه بقوله [/rtl]


[rtl]﴿ إن دخلت في الأوراد*لا تطلق يا مراد*ألزم حالك بالإفراد*لا تزيد الزوجيا [/rtl]


[rtl]أي ومن جملة آداب المريد، المتعيّنة عليه دون محيد، أنّه إذا كان صاحب زوجة وأراد أن يسلك في طريق الله تعالى على يد شيخ، ليس له أن يفارقها ويفرغ عنها بطلاق أو خلع أو إيلاء أو ظهار، لأجل أن يكون في عدم فراغه عنها كما ينبغي له حقيقة وشريعة، لأنّ المتزوّج لا شكّ أن سورة شهوته مكسورة، ونظرة لحظه إلى الغير بذلك مأسورة، تساعده على قضاء مآربه اللاّزمة، وتكون هي في صلاح أحوال معاشه قائمة، ولا يحصل له اشتغال فكر وتشتيت أمر بفراقها، ولأنّ بقاءه على ما كان عليه يساعده على الجدّ والاجتهاد في الطّريق؛ مع أنّ التّرهّب منهيّ عنه، إذ فيه ترك سُنّيّة النّكاح.[/rtl]
[rtl]إلاّ إذا كانت غير دينيّة وحالها غير مُرضي ولا تساعده على أسباب السّلوك، فتسريحها على ما ينبغي أولى وأحسن.[/rtl]
[rtl]وقوله ألزم حالك بالإفراد معناه أنّك إن كنت ذا زوجة واحدة ٱقتصر عليها وحدها ولا تشفّعها بأخرى.[/rtl]


[rtl]وأمّا قوله لا تزيد الزّوجيّا يحتمل أنّه تصريح بمفهوم ما قبله، فيكون كالتّأكيد، والظّاهر حمله على التّأسيس، وأنّه أشار به إلى الثّالث والعشرين من آداب المريد اللاّزمة له، أنّه إذا كان غير متزوّج وأراد سلوك طريق القوم فلا يتزوّج، بل يبقى على ما كان عليه من العزوبة، كما صرّح بذلك سيّدي مصطفى البكريّ حيث قال[/rtl]
[rtl]]وإن يكن ذا عزبة لم يدخل إلاّ إذا فاق بنهج الكُمّل[،[/rtl]
[rtl]لأنّ التّزويج أعظم شاغل للمريد عن القيام بلوازم الطّريق من العبادات اللّيليّة والنّهاريّة، وأجلّ صارف لهمّته عن الاجتهاد فيما هو متعيّن عليه من الأحوال القلبيّة، لاشتغال القلب بالزّوجة إن وقعت عنده موقعا حسنا، ولما يلزم لها من أمور معاشها ونفقتها ومسكنها، وذلك أمر قاطع عن طريق الله تعالى.[/rtl]


[rtl]وٱعـلــم، أنّه متى وجد المريد في نفسه شغفا أو ميلا إلى النّساء، فإنّه من عدم اجتهاده في أصول الطّريق، بقطع علائقه عمّا سوى الله تعالى، وبعدم تهذيب نفسه وقهرها بكلّ مانع لها عن كلّ شاغل.[/rtl]


[rtl]قوله[/rtl]
[rtl]﴿ إلـى فتح البصيرا*إفعل ما قد ذكرا*أنت من أهل الحضرا*لا تضرك الأشيا [/rtl]


[rtl]يعني أنّ المريد يبقى على ما كان عليه من التّزويج إن كان ذا زوجة، أو العزوبة إن كان ذا عزبة، إلى أن يفتح الله تعالى بصيرته، وذلك إذا تمكّن من قهر نفسه وبعد شيطانه، واتّقد نور قنديل عرفانه، فإنّه حينئذ تنفرج له أبواب المعارف الإلهيّة، ويتّصل بأسباب اللّوائح النّورانيّة، ويُملّكه الله أحواله، ويسدّد أفعاله وأقواله، فحينئذ يسوغ له ما كان محجورا عليه، لانتظامه في سلك أهل حضرة الله تعالى، ولا ضير عليه في ارتكاب شيء من ذلك.[/rtl]


[rtl]قوله[/rtl]
[rtl]﴿ بدايتك محرقه*نهايتك مشرقه*أطلب مقام التقى*ترتقي إلى العليا [/rtl]


[rtl]يريد رحمة الله تعالى بذلك الحثّ على الاجتهاد في ذكر الله وطاعته، وأنّ كلّ مَن ابتدأ في أمر ولم يكن له فيه بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، والمراد بالإحراق هنا شدّة الاجتهاد، أو أنّ الحرق على حقيقته، حيث أنّ المريد بالمجاهدة والرّياضات يحرق نفسه وشيطانه، تنزيلا لهما منزلة المحروق المتغيّر أوصافه، لأنّ النّفس تتغيّر أوصافها بتخلّقها بالأخلاق الحميدة والطّباع الرّشيدة، وذلك لا يتحقّق إلاّ باحتراق الصّفات الذّميمة وانمحائها، حتّى لا يجد الشّيطان سبيلا إلى الوصول إلى أغراضه.[/rtl]
[rtl]وهذاالبيت كأنّه جملة دليل أورده على نتائج الجدّ والاجتهاد، استنهاضًا لهمّة المريد على المداومة على الآداب المذكورة والمجاهدة، لما في عاقبتها من إشراق نهايته وبزوغ شمس إرادته، وبذلك يسهل طلب مقام المتّقين، ويرتقي المريد إلى أعلى درجات السّالكين.[/rtl]


[rtl][ltr]*[/ltr] تـنـبـيـه، بقي من الآداب اللاّزمة للمريد السّالك في منهج أهل التّجريد المتعيّنة عليه في نفسه[/rtl]
[rtl]أن يغيّر جلساءه، أي مَن كان يجلس إليه ويرتاح بالقعود لديه قبل دخوله الطّريق، لأنّ الغالب عليه إذ ذاك مجالسة أبناء الدّنيا، لأنّهم الممتحنون بحبّها بكلالهم فيها ونظرهم إليها، فمجالستهم لا تخلو عن ذكرها وعن أحوال بنيها، وتلك مضرّة عظيمة على المريد مع تضييع الوقت بما لا فائدة فيه؛ فوجب عليه تغيير جلسائه بمَن يعينه ويساعده على غرضه، ويداويه من مرضه.[/rtl]
[rtl] وأن يغيّر لباسه إذا كان لباس المتنعّمين، المُتّخذ من الحرير أو نحوه، أو كان اللّباس مقتضيا للشّهرة، من حيث أنّ فيه غرض النّفس وإعطاؤها ما تريده، ومتى وجد المريد في نفسه حبّ لباس بعينه فإنّه منزع نفسانيّ، فليجتهد في مخالفتها، ومتى استوى عنده لباس الصّعلوك ولباس الملوك فذلك هو المراد، وحينئذ فلا يضرّه أي لباس لبسه.[/rtl]


[rtl]هذا وأنّ هناك قسم من الأولياء يقال لهم الملامتيّة، مشتقّ ٱسمهم من اللّوم، لأنّهم يعملون أشياء متوجّة عليهم بها الملامة، ويتظاهرون بأمور مناقضة لمقاماتهم، فيعترض عليهم من جهل حالهم لمغايرة أفعالهم أفعال غيرهم من الأولياء، فتارة يجلسون في مجالس أهل الأهواء، وآونة يلبسون لباس بني الدّنيا؛ وكان منهم في بلدنا قسنطينة سيّدي الحاج السّاسي رحمه الله تعالى، وكثيرا ما يعترض عليه بحضرتنا بعض القضاة وأعتذر عنه؛ ومنهم مَن يحلق لحيته ووجهه زمانا، كما يفعله في زماننا سيّدي العربي الميلي؛ ومنهم مَن يتكلّم بالكلام الفكه المضحك؛ وقصدهم في كلّ ذلك الفرار من اعتقاد النّاس فيهم والتّشويش لظواهرهم والقمع لنفوسهم، والأعمال بالنّيّات.                                                                                                             [/rtl]
[rtl]يتبع ان شاء الله[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الهدهد السليماني
الاداره
الاداره
avatar

عدد المساهمات : 1976
نقاط : 12302
التفاعل مع الاعضاء : 35
تاريخ التسجيل : 05/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مقاييس الأدب والطريق لمن يخشى على صدره من الضيق   الثلاثاء نوفمبر 05, 2013 1:55 am

 
[rtl]مـا يـسـتـحـقّ به المريد الطـّرد من الطـّريـق [/rtl]


[rtl]ولمّا فرغ من الكلام على الصّفات الّتي يجب على المريد أن يتّصف بها، أخذ يتكلّم على الصّفات الّتي يستحقّ المريد الطّرد من الشّيخ عند اّتصافه بها، فقال [/rtl]


[rtl]( يا مريدين التيـسير الطالبـين للمسير )[/rtl]
[rtl]( اطردوا هذا الفقير لصلاح البــاقـيـا )[/rtl]


[rtl]التّيسير التّسهيل، يُقال يسّره الله فتيسّر، أي يا قاصدين التّسهيل على الطّالبين للمسير، أي السّير في طريق القوم، أطردوا الفقير المتّصف بالصّفات الآتي ذكرها؛ وقوله لصلاح الباقيّا علّة للطّرد؛ ثمّ بيّنه بقوله[/rtl]


[rtl]﴿ من اشتكى الفقرا*منه أو تكبرا*لعقله مظهرا*للشيخ المربيا [/rtl]


[rtl]يقول أنّ المريد إذا اشتكى الفقراء منه، أي من سوء خلقه، أو تكبّر عليهم، ونهاه الشّيخ عن ذلك ولم ينته فإنّه يستحقّ الطّرد إن تحقّق منه ذلك وتكرّر.[/rtl]


[rtl]ويستحقّ الطّرد أيضا إذا كان مُظهرًا كمال عقله وحُسن رأيه على شيخه، ومظهرا خبر كان محذوفة مع أو بقرينة العاطف قبله وتناسق الجمل، ولعقله صلة له، واللاّم من للشّيخ بمعنى على، والمربّي نعت للشّيخ مفيد تخصيص المنعوت.[/rtl]


[rtl]قوله[/rtl]
[rtl]﴿ لا يجلس ذكره*لا يسمع وعظه*تارك احترامه*بإخوانه مزدريا [/rtl]


[rtl]يعني أنّ ممّا يستحقّ به المريد الطّرد من الطّريق تركه حضور مجلس شيخه المُعَدّ للذّكر أو الوعظ، أو اعتزاله درس شيخه المرتّب في أيّ فنّ من فنون العلوم الشّرعيّة أو العقليّة لغير ضرورة، أو يحضر ولكن يشتغل بغير ما هو المطلوب، كمَن يُلقي السّمع وهو غير شهيد[/rtl]
[rtl] أو كان تارك احترام شيخه.[/rtl]
[rtl] أو كان مزدريا بإخوانه، بأن يفعل معهم ما يقتضي السّخرية والاستهزاء على سبيل الازدراء، وقد ورد النّهي عن ذلك، قال تعالى ﴿يا أيّها الّذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم﴾، وروى ٱبن أبي الدّنيا }أنّ المستهزئين بالنّاس يُفتح لأحدهم باب الجنّة فيُقال هلمّ فيجيء بكربه وغمّه، فإذا جاء أغلِقَ دونه{.[/rtl]


[rtl]قوله[/rtl]
[rtl]﴿ لا يمتثل أمره*ولم يقبل نهيه*ويراجع فعله*لم يعقد فيه نيا [/rtl]
[rtl]﴿ لا يحضر الجماعه*ولا يأتي الجمعه*للملاهي سامعا*متجسس عن شيخيا [/rtl]
[rtl]﴿ متهاون بطهره*متكاسل في فرضه*مادح غير شيخه*عند بعض اخوانيا [/rtl]


[rtl]يقول ممّا يستحقّ به المريد الطّرد من الطّريق عدم امتثال أمر الشّيخ ونهيه، ذلك بأن يترك ما أمره به طبيبه ويفعل ما نهاه عنه، فمَن كان بهذه المثابة استحقّ الطّرد، لأنّه لا يجيء منه في الطّريق شيء.[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا كان ممّن يُراجع شيخه في الأمور الّتي يفعلها، لأنّ ذلك أمارة عدم استحسان ما يراه شيخه[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا لم يعتقد الكمال في شيخه باعتبار عصره، ويرى أنّ هناك من هو أجمع لصفات الكمال من شيخه.[/rtl]
[rtl] وكذلك يستحقّ الطّرد بتركه صلاة الجمعة أو تركه حضور الصّلاة جماعة لغير عذر، كان ذلك دليل تهاونه بالعبادات وعدم اكتراثه بأنواع القربات.[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا كان يجلس في أماكن اللّهو، كالأماكن المُعَدَّة لشرب القهوة واستعمال آلات اللّهو وغيرها من الأمور الّتي لا يسوغها الشّرع، لأنّ ذلك يميت القلب ويشغله عن ملاحظة ما يعنيه، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.[/rtl]
[rtl] وكذلك يستحقّ الطّرد إذا كان يتجسّس عن شيخه وهو في خلوته أو بيته، أو يستكشف حقيقة حاله بالبحث والسّؤال عنه من الغير بعد الأخذ عنه، فإنّ التّجسس منهيّ عنه، قال تعالى ﴿ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضا﴾.[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا كان يتهاون بالطّهارة ويتكاسل بالعبادة اللاّزمة كأداء الفرائض، فإنّ ذلك منهيّ عنه، ووصف الله تعالى به المنافقين، فقال جلّ وعلا ﴿وإذا قاموا للصّلاة قاموا كسالى﴾.[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا كان يُثني على غير شيخه من مشايخ عصره بحضرة الإخوان والتّلاميذ، فإنّ ذلك علامة عدم اعتقاده الكمال في شيخه، فيُحرم الانتفاع بصحبته له، وربّما يكون ذلك سببا لتثبيط بعض إخوانه عن طاعة الله، ويُعدّ ذلك عقوقا، وقد رُوي }أنّ العاقّ لا يُرفع له إلى السّماء عمل{.[/rtl]


[rtl]قوله[/rtl]
[rtl]﴿ مستفتح بلا إذنه*ولو في غيبته*مكثرا لضحكه*بحضرة المربيا [/rtl]
[rtl]﴿ يرى غير طريقه*خادم غير ورده*منهمك لأكله*مكثرا للجمعيا [/rtl]


[rtl]يقول أنّ ممّا يستحقّ به المريد الطّرد أيضا استفتاحه الذّكر بجماعة من إخوانه بدون إذن شيخه، سواء كان الشّيخ حاضرا أو غائبا، لأنّ ذلك علامة عدم احترام طبيبه، قال سيّدي أبو القاسم الجنيد ]مَن حُرم احترام المشايخ ابتلاه الله بالمقت بين العباد[.[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا كان مكثر الضّحك ولا سيّما في المسجد بحضرة الشّيخ، فقد ورد النّهي عنه، قال النّووي في شرح مسلم ]قال العلماء، يكره إكثار الضّحك، وهو في أهل الرّتب والعلم أقبح[، وروى ٱبن ماجة في السّنن }لا تكثروا الضّحك فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب{، وفسّر بعضهم قوله بالقساوة، وفي النّوادر وأبي الشّيخ ]أنّ الأحمق يضحك من كلّ ما يراه[، وروى السّيوطيّ في الجامع }الضّحك ضَحِكان، ضحك يحبّه الله تعالى وضحك يمقته الله، فأمّا الضّحك الّذي يحبّه الله فالرّجل يكثر في وجه أخيه حداثة عهده به وشوقا إلى رؤيته، وأمّا الضّحك الّذي يمقته الله تعالى فالرّجل يتكلّم بكلمة الجفاء والباطل يضحك أو يضحك يهوي بها في جهنّم سبعين خريفا{؛ وقوله بحضرة المربّيا حرف استقرار حال من لضحكه.[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا كان يستحسن طريقا من الطّرق غير طريق شيخه، أو كان يستعمل وردا مغايرا للورد الّذي رتّبه له شيخه.[/rtl]
[rtl] أو كان منهمكا في اللّذات والشّهوات، مكثرا من الأكل ومخالطة النّاس فرادى وجماعات.[/rtl]
[rtl][ltr]*[/ltr] تـتـمّـة، نتيجة طرد مَن اتّصف بما ذكر إصلاح باقي الفقراء، فإنّ الواحد قد يفسد المائة، وفي ذلك قيل[/rtl]
[rtl]]وقارن إذا قارنت حرّا فإنّما يزين ويزري بالفتى قرناؤه[،[/rtl]
[rtl]وفي الحديث }المرء على دين خليله، فليختر أحدكم مَن يخالل{.[/rtl]




[rtl]آدابه مع شـيـخـه [/rtl]


[rtl]ولمّا فرغ من الكلام على آداب المريد في نفسه، وعلى الصّفات الّتي يستحقّ بها الطّرد، شرع في ذكر آداب المريد مع شيخه، وهو الضّرب الثّاني من ضروب الآداب الثّلاثة، فقال[/rtl]


[rtl]﴿ أدبك يا حبي*مع شيخك المربي*عدها في الكتب*سادتنا الصوفيا [/rtl]


[rtl]الأدب رياضة النّفس ومحاسن الأخلاق، قال أبو يزيد ]الأدب يقع على كلّ رياضة محمودة يتخرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل[، وقال الأزهريّ نحوه، وفي القاموس ]الأدب الظّرف وحسن التّناول، فهو ٱسم لذلك، والجمع آداب كسبب وأسباب[؛ والحبّ بالكسر استعملوه مصدرا وٱسم مصدر وٱسما للمحبوب، وهو المراد هنا، واستعماله في المحبوب قيل أصالة، وقيل من إطلاق المصدر على ٱسم المفعول مجازا لعلاقة التّعلّق؛ وقوله سادتنا الصّوفيّة فاعل عدّها، وأراد بذلك الإخبار بأنّ هذه الآداب وصلت إلينا على لسان السّادة المذكورين، وأنّها ثبتت عندهم، فهم أمناء الله على خلقه، لأنّهم لا يثبتون أدبا إلاّ وله مأخذ إمّا من الكتاب أو السّنّة أو من الاستحسان أو القياس أو الإجماع، لأنّهم هم الوسائط بين الله وبين خلقه بوساطة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، حيث أنّهم جاؤوا على القدم المحمّدي والطّريق الأحمدي.[/rtl]


[rtl]فمن الضّرب الثّاني، ممّا وجب على المريد مع شيخه المربّي له، تربية ينال بها سعادة الدّنيا والآخرة، ما أشار له بقوله [/rtl]


[rtl]﴿ لا تمش أمامه*ولا تأكل معه*لا تنام عنده*لا ترى متكيا [/rtl]
[rtl]﴿ وتجالس ذكره*لا تفارق وعظه*وتلازم درسـه*إن بدا مقريا [/rtl]
[rtl]﴿ واجلس جلسة المملوك*عند حضرة الملوك*يا طالبا للسلوك*ومقام الأوليا [/rtl]
[rtl]﴿ وتخفض له صوتك*وتطرق له رأسك*وأحكين له وحيك*لا تكتم عنه شيا [/rtl]


[rtl]يعني أنّ من جملة الآداب اللازمة للمريد مع شيخه أن لا يمشي أمامه إلاّ بليل، ليكون متلقّيا لما يطرأ غالبا، لأنّ المشي ليلا مهاويه كثيرة، كوقوع في حجر أو حفيرة أو عثرة في شيء أو مكافأة حيوان ضار أو عدوّ أو رؤية ما يكره فجأة، فإذا قصد المريد مقاداته فلا بأس بتقديمه عليه، وأمّا إذا لم يكن من ذلك شيء فليمش خلفه، مع ظنّه أنّه مطّلع عليه، مقتف لأثره باطنا و ظاهرا، غير ملتفت في مشيه وغير مكترث بما يراه، ولا مشتغل بأحد في طريقه بخطاب أو غيره، بل يكون ملاحظا أستاذه، منتظرا لما يحدث له من كلّ شيء، خصوصا في زماننا، فإنّ الطّرقات قلّ أن تخلو من مناكير يجب الكفّ عن رؤيتها لعدم القدرة على إزالتها، فإذا كان الإنسان مغضّيا عنها كان أسلم له في دينه ودنياه، سالكا سبيل النجاح والنجاة.[/rtl]
[rtl] ومن الآداب الواجبة على المريد مع شيخه أن لا يأكل هو وإيّاه على مائدة واحدة، بل ينتظره ويأكل بقيّة أكله، فإنّه بمؤاكلته يشاهد منه ما لابدّ له منه، وربّما يداخل المريد من ذلك ما يوسوس به إليه الشّيطان، فعدم مؤاكلته أنسب لحفظ خواطر المريد وعدم تشويشه.[/rtl]
[rtl] ومنها أن لا ينام بحضرة شيخه، ولا يتّكئ على شيء ويعتمده، ولا يتثاءب، لأنّ ذلك مظنة عدم المبالاة بالشّيخ والاحترام له، ومَن صحب الأساتذة على غير طريقة الاحترام حُرم مددهم وثمرات لحظاتهم، ولذلك قيل ]ما حُرم المريدون الوصول إلاّ بتركهم الآداب والأصول، فطالت عليهم الطّريقة وربّما مات أحدهم في أثنائها ولم يحصل له حاصل[.[/rtl]
[rtl] ومنها ملازمة مجلس الذّكر الّذي رتّبه الشّيخ صباحا ومساء للمريدين، فإنّ مدد كلّ شيخ يكون في ورده، ومَن ترك ورد شيخه حُرم مدده، وإذا كان للمريد عذر في تخلّفه عن مجلس الذّكر فليذكره له، فإن ظهر له صدقه عذره، وإلاّ ناقشه وبيّن له عدم صدقه وتقصيره في عبادة ربّه ليرجع عن ذلك.[/rtl]
[rtl] ومنها أن لا يفارق مجلس وعظه وتذكيره، وكذلك مهما بدأ الشّيخ في قراءة فنّ من فنون العلم، وجب على المريد ملازمة درسه وعدم تخلّفه عنه ما دام الشّيخ بصدد التّدريس، فربّما يفتح عليه في درس ما يعمر وجوده من العلم والعمل ولو كان أمّيا، قال تعالى ﴿وٱتقوا الله ويعلّمكم الله﴾.[/rtl]
[rtl] ومنها أن يجلس بين يدي شيخه، مستوفزا متأدّبا، بسكينة ووقار، كجلوس العبد بين يدي سيّده، قال سيّدي مصطفى البكريّ[/rtl]
[rtl]]ٱإليه وٱجلسن في حضرته مثل مصلّ جالسا في هيئته[،[/rtl]
[rtl]يعني من آداب المريد مع شيخه جلوسه في حضرته مثل جلوسه في الصّلاة، كي لا تذهب حُرْمته من قلبه فيُحرم من الانتفاع بمجالسته؛ وليحذر من الإكثار من مجالسته، بل يقتصر على قدر الحاجة.[/rtl]
[rtl]وأشار بقوله يا طالبا للسّلوك إلخ أنّ هذه الآداب واجبة على القاصدين سبيل السّالكين، الرّاغبين في مقامات الأولياء والصّالحين.[/rtl]
[rtl] ومنها أن لا يجهر بالقول بحضرة شيخه، بل يخفض صوته ولو كان جهوري الصّوت ...، بحيث يكون صوت شيخه أرفع من صوته، وأصل ذلك قوله تعالى ﴿يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ﴾الآية، لأنّ المشايخ المربّين ورثة الأنبياء والمرسلين.[/rtl]
[rtl] وكذلك إذا خاطبك فلتُطرق رأسك إذا أحببته وسارقه بالنّظر، يعني أنّه يجب على المريد أن لا يديم حدّة النّظر إلى شيخه، بل يسارقه بالنّظر، لأنّ دوام النّظر يناقض الإطراق المأمور به والخشية المقتضيين للإجلال والهيبة.[/rtl]
[rtl] ومنها أن يحكي لشيخه ما تكرّر عليه من الوَحْيَيْن، المنام والخاطر كما مرّ، ولا يكتم عنه شيئا من أحواله الحسنة أو ضدّها، قال سيّدي مصطفى البكريّ ]وعنه ما كان فلا تُخفه[، يعني أنّه لا يكتم المريد على أستاذه من أحواله كلّها شيئا ممّا يتعلّق بالطّريق وآدابه، بل يعرض جميع ذلك عليه، لأنّ الشّيخ كالطّبيب، فكما أنّ الطّبيب يجب أن يطّلع على المريض ويعلم جميع ما فيه من العلل والأمراض، ليعرف أسبابها وعلاجها على ما يُطابق الواقع في نفس الأمر، فكذلك المريد مع شيخه، يجب عليه أن لا يكتم حالا من أحواله ليكون شيخه في ذلك على بصيرة في معالجته وتطبيبه، وإن كان عارفا ذلك بدون تعريف؛ وكذلك إذا سأله شيخه عن شيء فإنّه يجب عليه أن يخبره بما هو الواقع من علم ذلك الشّيء.[/rtl]


قوله

﴿ وأتيه طاهرا*وإجلس فيما يرا*وإن ناداك بادرا*له وقم ساعيا
[rtl]﴿ لا تطرق عليه باب*واجلس وراء الحجاب*واذكر جهرا لتجاب*عسى يعطف مولايا [/rtl]


[rtl]يقول رحمه الله تعالى، من آداب المريد مع شيخه الواجبة عليه أن لا يدخل عليه ولا يجلس بين يديه إلاّ على طهارة ظاهرا وباطنا، مسلما مستسلما، قال سيّدي أبو مدين رحمه الله تعالى ]ما دخلت في ابتداء أمري على شيخ حتّى أغتسل وأطهّر ثوبي وكلّ ما عليّ وأطهّر قلبي، وإن أعرض عنّي وتركني فالعيب منّي[، فإذا انبعث من الشّيخ صدق العناية وانبعث من باطن المريد صدق المحبّة، ترقّى المريد إلى مراقي القبول بدون محيد.[/rtl]
[rtl] ومنها أيضا أنّه إذا أتى شيخه، على الكيفيّة المذكورة، فليجلس بمرأى من الشّيخ كيلا يتكلّف الشّيخ بالسّؤال عنه إن احتاجه، ويكون مع ذلك ساكتا خاضعا مُطرقا رأسه كما مرّ، غير مديم النّظر لشيخه بل يسارق النّظر مسارقة، ولا يقيم قطّ بصره في بصره، لأنّ إدامة النّظر إليه تسقط هيبته فيُحرم بركته؛ وفي بعض النّسخ وٱجلس فيما لا يرى، وهو الّذي في التّحفة، فإنّه قال ]ومن الآداب أن لا يجلس في مكان حيث لا يراه الشّيخ وإذا دعاه سمعه[، ولكلّ وجهة؛ فإن استدعاه الأستاذ أجابه فورا وسعى مبادرا لما يُراد منه، من غير تراخ.[/rtl]
[rtl] ومن توجّه إلى أستاذه لغرض عناه فلا يَطرُق على شيخه باب خلوته أو داره ومنزله، وليقف خلف الباب، ووراء السّتر والحجاب، وليذكر الله تعالى جهرا، فإن سمعه وآذنه بالدّخول دخل وإلاّ انصرف، لأنّ ذلك منزّل منزلة الاستئذان، وهو من الآداب الواجبة على المريد، قال سيّدي مصطفى البكريّ [/rtl]
[rtl]]واستأذن الخادم للدّخول ترقى إلى منازل القبول[؛[/rtl]
[rtl]وإنّما كان ذلك من الآداب الواجبة مخافة أن يفاجئه ما لا يقدر على تحمّله، كما يحكى عن بعضهم ]أنّه دخل على شيخه بغير إذن فلم يره، فرجع يسأل عنه فقيل له أنّه هناك، يعني المكان الّذي لم يجده فيه، فرجع ثانيا فوجده جالسا، فابتدره الشّيخ وقال له )لا تَعُدْ لمثل هذا، فإنّي حين دخلت أوّلا كنت في طور لو دنوت منّي لاحترقت[(.[/rtl]
[rtl]والاستئذان سُنّة معلومة، وهذا الأدب غير مختصّ بالأساتذة بل هو أدب عامّ، لما فيه من حسن المؤاخاة والصّحبة.[/rtl]
[rtl]وقوله عسى يعطف مولايا تتميم، فإنّ التأدب مع المشايخ مظنة الشّفقة والرّحمة.[/rtl]


[rtl]قوله[/rtl]
[rtl]﴿ لا تذهب بلا إذنه*لا تفعل بلا أمره*واعمل بكلامه*ولو كان خاطيا [/rtl]
[rtl]﴿ لا تتثاءب يا فتى*لا تتربع قد أتى*هكذا قد ثبتا*وعن ميزانك فانيا [/rtl]


[rtl]يقول ومن الآداب اللازمة للمريد في حقّ شيخه أن لا يذهب في مذهب من المذاهب، كالسّفر ونحوه، إلاّ إذا استشار شيخه، فإنّه أوسع إطّلاعا منه.[/rtl]
[rtl]وكذلك يتعيّن على المريد أن لا يتلبّس بفعل شيء من المباحات إلاّ بعد أن يأذن له فيه الأستاذ، لأنّه لا يأذن له إلاّ فيما فيه السّداد والرّشاد؛ وأشار بقوله وٱعمل بكلامه إلى أنّ المريد يجب عليه أن يسلّم أموره كلّها لشيخه، وأن يعمل بما أراد منه الشّيخ وأشار به عليه ولو كان مخالفا بحسب الظّاهر لما هو الأنسب، فقد يحصل من الشّيخ ما ليس بمناسب حصوله منه، لكنّ الحكمة تقتضي ذلك، وهي مكنونة لا يطّلع عليها غيره؛ ولا يعترض عليه لأنّ الاعتراض يوقع في الأمراض؛ وقوله ولو كان خاطيّا، في التّعبير بلو إيماء إلى عدم وقوع الخطأ في الحقيقة، بل على سبيل الفرض والظّهور، والغرض من ذلك تحريض المريد على إتّباع شيخه وتسليم أموره إليه في كلّ حال، على أنّ وقوع ذلك من الأساتذة ليس بمُحال، لكن يحفظ الله تعالى منهم من حفّته العناية الأزليّة، وسبقت له السعادة الكلّيّة، فإنّ ماعدا الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام غير معصوم من الخطأ ونحوه.[/rtl]
[rtl] ومن آداب المريد مع شيخه أن لا يتثاءب، ولا يجلس متربّعا بحضرته، إلاّ إذا أمره الشّيخ بالجلوس متربّعا فإنّه يسوغ له حينئذ.[/rtl]
[rtl] وأشار بقوله وعن ميزانك فانيّا، إلى أنّ من جملة الآداب المتعيّنة على المريد لشيخه أن يكون بين يديه كالميّت بين يدي غاسله، كُنّيَ بالفناء عن الميزان عن تفويض الأمر إلى الشّيخ، حيث لا يختار لنفسه إلاّ ما اختاره شيخه له من أمور العبادات أو العادات، حتّى يكون في جميع حالاته كالميّت بين يدي الغاسل يقلّبه كيف شاء، لا يبدي خلافا لما أراده منه، لعدم الإرادة منه لشيء أبدا؛ وهذا الأدب هو في الحقيقة آكد الآداب جميعها، وعنه تتفرّع بقيّتها، ولكن تجب مراعاة جميع ذلك في حضوره وغيبته لمَن اعتنى بأسباب فتح بصيرتها.[/rtl]


[rtl]وأشار بقوله[/rtl]
[rtl]﴿ لا توسد وسادته*لا تطأ سجادته*وإن أعطاك ثوبه*إحذر أنت عاصيا [/rtl]


[rtl]إلى أنّ من آداب المريد مع شيخه أن لا يستعمل شيئا لأستاذه، كوسادته وسجّادته وردائه ونحو ذلك ممّا يختص به ويستعمله، لأنّ كلّ شيء له حقيقة وحال يعطيه ووارد يخفيه، وليس للمريد قوّة أستاذه، فإذا توقّى المريد استعمال شيء من مختصّات أستاذه، ظهرت له الفائدة عند إعطائه شيئا منها لتوفّر همّته عند ذلك، ولما في استعمال وسادته ووطئ سجّادته من الإشعار بعدم المبالاة بحُرمته؛ وإنّما سُمّي ما يجلس عليه سجّادة لأنّ أكثر استعمالها للصّلاة، فكانت أبلغ من غيرها في كثرة السجود عليها؛ والمراد بالوطأ القعود أو مطلق الاستعمال مجازا، من إطلاق اللاّزم وإرادة الملزوم، بل من الآداب أن لا يُوجَد المريد في مكان شيخه المعدّ له، ولا يزاحمه بمنكبه، وإذا غاب عن مكانه المخصوص به فليس لأحد أن يجلس فيه ولو كان موضع الذّكر، بل يُترك له مقدار ما يسعه، لأنّ حقيقته تحضر فيه، وقد شوهد ذلك، لكن إذا كان في الحلقة خليفته فله أن يجلس فيه، وإن تركه أدبا فلا بأس به.[/rtl]
[rtl] ومنها ما أشار إليه بقوله وإن أعطاك ثوبه إلخ، يعني أنّ الأستاذ إذا أعطاك شيئا من ملبوساته وقال [ٱلبسه]، فيلبسه فورا، لكن يجب على المريد توقير ذلك الشّيء، ويجتهد في نفسه أن يكون على أخلاق شيخه وعلى أحواله الظّاهرة والباطنة، لئلاّ يسيء الأدب مع ذلك الشّيء، لأنّ لكلّ شيء حقيقة مدركة، بدليل قوله تعالى ﴿وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده﴾، وحُكي ]أنّ بعض المشايخ دفع إلى مريد له ثوبا يلبسه فلبسه، وكان له جارية سوداء قد اشتراها قريب عهد، فأراد المريد أن يضاجعها، فأحسّ بشيء يتحرّك في الثّوب، فتفقّده فوجده عقربا، فأخرجه وقتله ولم يتفطّن، ثمّ عاد إلى ما أراده أوّلا فأحسّ بذلك كذلك، ففعل كالأوّل ولم يتنبّه أيضا لآداب احترام ثياب المشايخ، فعاد ثالثا لما قصده أوّلا فوقع له مثل ذلك فتنبّه ونزع الثّوب عن بدنه، وسأل الجارية عن استبرائها فأخبرته بأنّها حبلى من مولاها الأوّل، فحمد الله على ذلك التّنبّه وقام مستغفرا تائبا[، فٱنظرْ إلى بركة ذلك القميص كيف حفظ المريد من الحرام والتّنغيص؛ وقوله ٱحذرْ أنت عاصيا معناه ٱحذرْ أن تكون عاصيا فيه، فحذف أن تكون، وصلة عاصيا وهو فيه للوزن.[/rtl]


[rtl]ومنها ما أشار إليه بقوله [/rtl]


[rtl]﴿ لا تذكر بسبحته*ولا تسأم من خدمته*لا تكثر من جلوسه*ولا ظهرك مواليا [/rtl]


[rtl]يعني من الآداب اللاّزمة للمريد مع شيخه أن لا يذكر بسبحته، لما تقدّم تقريره من عدم جواز استعمال ما يختصّ به.[/rtl]
[rtl] ومنها أيضا أن لا يسأم من خدمة شيخه، بل يلازم ما أقامه شيخه فيه من مآربه، قيل ]أنّ إقامة المريد في خدمة شيخه ساعة أفضل من رياضة سنة[، والقيام بالخدمة يثمر كمال الصّحبة، ومَن صحّت له صحبة أستاذه مستحوذا عليه كلّ استحواذه فقد ظفر بالكنز العظيم، ونال السّعادة والتّكريم؛ ولا فرق بين أن يقيمه في خدمته أو خدمة داره وأهله أو خدمة الفقراء إخوانه، سفرا أو حضرا، فإنّه إنّما يستعمله فيما يراه خيرا له من كلّ وجه، وحكي عن بعضهم ]أنّ شيخه أمره بخدمة البغلة في الإصطبل فامتثل ومكث سنين، حتى دنت وفاة الشّيخ، فتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم في الخلافة بعده، فقال الشّيخ ٱئتوني بفلان، فجيء به من الإصطبل، فأجلسه على سجّادته وقال له تكلّم على إخوانك في الطّريق، فأبدى لهم العجائب والغرائب نظما ونثرا حتى انبهرت عقول الحاضرين[.[/rtl]
[rtl] ومنها أن لا يكثر من مجالسة شيخه، لأنّها تسقط حُرمته من قلبه، وقد اتّفقت كلمتهم على ]أنّ المريد لا يترقّى إلاّ إذا لزم حُرمة الشّيخ[.[/rtl]
[rtl] ومنها أن لا يولّي ظهره للشّيخ أبدا كيما ينال فوزا أو رشدا، بمعنى أن لا يجعل شبح شيخه وراء ظهره، لأنّ ذلك ممّا يؤذن بقلّة الأدب في سرّه وجهره، إلاّ إذا كان الأمر ضروريّا لا يتأتّى إلاّ بذلك فإنّه يباح له في وقته؛ ويحتمل أن يكون المراد من قول المصنّف رحمه الله تعالى ولا ظهرك مواليا الكناية عن الإعراض عن الشّيخ والإدبار عنه، كما يقال فلان أدبر عن بحث كذا والتفت إلى بحث آخر، بمعنى أن المريد لا يجعل أستاذه كأنّه وراء ظهره، ولا يراه مشاهدا له في كلّ أحواله، بل يجعله مستقبلا له مشاهدا له كلّ أحواله، على حدّ قوله تعالى ﴿...كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾، فإنّه كناية عن عدم إتّباعه والعمل بما فيه.[/rtl]


[rtl]ثمّ قال[/rtl]
[rtl]﴿ عظمن أماكنه*وتأدب كأنه*وإن أعطاك ثوبه*إياك أن تعطيا [/rtl]


[rtl]يعني أنّ المريد إذا أتى إلى مكان جلوس شيخه ولم يره جالسا كعادته فليجلس بسكينة ووقار، متخيّلا كأنّه بين يديه، تعظيما لمجلس شيخه، لأنّ بقاع العبادة ومجالس الصّالحين لها مزيد فضل على غيرها من البقاع؛ وخبر كأنّه محذوف تقديره حاضر، والمعنى أنّ المريد يتأدّب في أماكن شيخه إذا كان الشّيخ غائبا عنها كتأدّبه فيها إذا كان شيخه حاضرا.[/rtl]
[rtl] وقوله وإن أعطاك ثوبه شرط وجوابه إيّاك بحذف الفاء للوزن، والمعنى أنّ من آداب المريد مع شيخه أنّه إذا أعطاه ثوبه فلا يعطيه لأحد، لأنّه ربّما يكون طوى له فيه سرّا من الأسرار الّتي تمنحه سعادة الدّارين، وتقرّبه إلى حضرة ربّ العالمين، أو جمع له فيه جملة من أخلاق العارفين، لأنّ مقام الصّالحين يعلو عن أن تكون أفعالهم سدى، قال الشّعرانيّ رحمه الله تعالى في مدارج السّالكين ]وقد وهب بعض الأشياخ رداءه لمريده، فرآه قد مدّه وبسطه على رجليه، فقال له )يا ولدي ٱحفظ الأدب مع أثر الفقراء وعظّمه، فإنّ الله عزّ وجلّ ما جعل الرّداء للرّجلين وإنّما جعله للكتفين[(، وقد حذّر الشّيخ المصنّف رحمه الله تعالى سابقا من تلبّس المريد بالمعصية وهو لابس ثوب شيخه، فصدور المعصية من لابس ثوب شيخه أقبح وأفضع من صدورها من غير لابسه؛ وألف تُعْطِيا بدل من الهاء للقافية، والأصل تُعْطِيَه.[/rtl]


وأشار بقوله

﴿ فأكرموا أولاده*وأكرموا أصحابه*وأكرموا أشياءه*لو ميتا أو حيا


[rtl]يعني أنّ من آداب المريد مع شيخه أن يعظّم أولاده وأصحابه وأتباعه، وأراد بأشيائه أدواته ممّا لا يعقل، وسواء كان الشّيخ حيّا أو ميّتا، فإنّ تعظيمهم وإكرامهم واحترامهم تعظيم للشّيخ، وترك ذلك سوء أدب، ومَن ساء أدبه مع شيخه فقد مقته الله تعالى، لأنّ الأدب مع الأستاذ هو عين الأدب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والأدب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو بعيْنه الأدب مع الله تعالى.[/rtl]


[rtl]ثمّ قال[/rtl]
[rtl]﴿ إلزم حبه يا مبرور*وأدخل عليه السرور*لازم كتبه والمسطور*لا تقل لما ذا يا [/rtl]


[rtl]يعني أنّ من الآداب اللاّزمة للمريدين في حقّ أساتذتهم ذوي القدم الرّصين حبّ مشايخهم، لأنّ الحبّ لكلّ المسلمين متعيّن على بعضهم البعض، ولا سيّما حبّ الأستاذ المربّي فإنّه يتأكّد تأكيدا أشدّ من غيره، لما يترتّب عليه من النّفع الدّائم الّذي لا يحصل بدونه، لأنّه الأستاذ القائم بدعوى الهداية والإرشاد، لذلك وجبت محبّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على كلّ مؤمن، وقال عليه الصّلاة والسّلام }لا يكمل إيمان أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ماله ونفسه الّتي بين جنبيه{، وقال تعالى في مدح مؤمني أهل المدينة ﴿يحبّون مَن هاجر إليهم، وهو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ عدم حبّه صلّى الله عليه وسلّم نفاق ويُخشى مقارنته لسوء الخاتمة؛ وأمّا الحبّ الإلهي المتعلّق بذاته تعالى فقد عقد له في احياء بابا، وكذلك القشيريّ في رسالته، والإمام ٱبن عربي في فتوحاته المكيّة.[/rtl]
[rtl] وحبّ كلّ شيء بحسبه، لكن حبّ الأستاذ رأس مال المريدين، وعنوان سعادتهم على اليقين، ويتفاوتون فيه، حتّى أنّه يُحكى عن بعضهم ]أنّه رأى شيخه يشكو ألما فشكاه في الحين، ثمّ أنّ الطّبيب فصد الشّيخ فانفصد عرق المريد من نفسه بدون آلة فصد[.[/rtl]
[rtl] ومنها أن يُدْخِل عليه السّرور ما أمكن، كتبليغ سلام محبّ أو ثناء من معتقد، وإذا سمع من أحد ما يكره في حقّ شيخه فعليه ردّه ما استطاع، وأجاب عنه بالأجوبة الحسنة وأقام الدّليل والحُجّة إن كانت له قدرة على ذلك.[/rtl]
[rtl] ومنها العكوف على مطالعة تصانيف شيخه مطوّلات أو رسائل، والتّقديم لها على غيرها من التّصانيف الموضوعة في ذلك الفنّ إلاّ لضرورة، كطلب ما هو أبسط منها أو أحال الشّيخ في تأليفه عليها؛ ولا يطلب علما من أحد وشيخه يعرف ذلك العلم، فإن لم يعرفه شيخه استأذنه على مَن يأخذه، فإن قال له]c]ٱقرأ على مَن شئت، اختار مَن يعتقد في طريق القوم.[/rtl]
[rtl] ومنها أن لا يقول لشيخه لِمَ على سبيل الاستفهام، بل إن سأل شيخه عن مسألة لا يطلب ردّ الجواب، بل يذكر مسألته ويسكت ولا يعيد السّؤال، فإن أجابه شيخه فبها ونِعْمَت، وإلاّ قبَّل يده وانصرف وأعرض بقلبه عن الجواب، ولذلك قيل ]مَن قال لشيخه لِمَ ولماذا لا يُفلح أبدا[، قضيّة مسلّمة عندهم، مغايرة لطّريق غيرهم، فيجب على المريد أن لا يقول لشيخه إن نهاه لِمَ نهيت، أو إن أمره بأمر لِمَ أمرت، فمَن قال ذلك لشيخه ما ذاق في سيره إلى الله حلاوة الأسرار، ولا انجلت عن بصيرته حجب الأغيار.[/rtl]


ومنها ما أشار إليه بقوله

﴿ رغب فيه كل الناس*جانب من يراه باس*لا تقطع منه إياس*واعقد فيه بالنيا


[rtl]s يقول ومن الآداب اللاّزمة للمريد مع شيخه الاجتهاد في ترغيب النّاس في الاجتماع على شيخه والانتظام في حزبه، وثمرة التّرغيب رجوع الخلق إلى الحقّ، وفي الحديث }لأن يهدي الله بك واحدا خير لك ممّا طلعت عليه الشّمس{.[/rtl]


[rtl]s ومنها أن يجانب مَن أمره الشّيخ بمُجانبته، لأنّه ما أمره بذلك إلاّ أنّه علم أنّ في مخالطته ضرر أو بأس على المأمور، وقوله باس هو المفعول الثاني ليرى، وقف عليه بالسّكون على لغة ربيعة، وليس المراد من البأس معناه الحقيقيّ بل المراد منه الذّات مبالغة كما لك علم؛ ولا يغتّر المريد بإظهار الشّيخ محبّة المأمور باجتنابه، لأنّ شأن الأساتذة الإقبال على كلّ النّاس لسعة ما هم عليه من الأخلاق المُرضية.[/rtl]


[rtl]s ومنها ما أشار له بقوله لا تقطع منه إيّاس، يعني من آداب المريد مع شيخه أن لا يملّ عن محبّته وودّه، ولا ييأس من وصله، ولو زجره شيخه أو شمته أو هجره، لأنّ المريد الصّادق في حاله لا يزعجه ذلك ولا يقطعه ويميله عن إقباله على شيخه، بل كلّما زجره شيخه أو هجره ازداد حبّا وودادا و اشتياقا وعدم إيّاس من المدد والوصول، لأنّ الأساتذة لا يفعلون مع تلامذتهم شيئا إلاّ لقصد التّأديب والتّقريب إلى مرضاة الله تعالى، إذ لا غرض لهم نفسانيّ في شيء من الأشياء الكونيّة، بل لا يتلبّسون إلاّ بما هو متعيّن عليهم بالوجوب، ليرجع المريد عن زلّته ويتوب، فليس للمريد أن ييأس من وصل شيخه ولو زجره أو شتمه بكلام غليظ، ولو بملأ من النّاس، لأنّ دعاء الشّيخ على المريد حالة تأديبه ينال به سعادة تقريبه، وربّما أنّهم يمتحنون بذلك الصّدق والإخلاص، وذلك لأنّ المريد إذا تخلّص من رعونات نفسه وفني عنها، لا يتغيّر من كلمة أو كلمات من أحد أبدا، فضلا عن شيخه الّذي يبغي منه مدده.[/rtl]


[rtl]s ومنها ما أشار له بقوله واعقـدْ فيه بالنّيّا، يعني من جملة الآداب أن يعتقد المريد أنّ شيخه أكمل أهل عصره، وأحسن أهل مصره، وذلك ليصحّ له فيه كمال النّيّة والاعتقاد، والإقتداء به في كلّ حالاته بدون ترداد، إذ لو لم ينو فيه ذلك لما اتجه له منه ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الهدهد السليماني
الاداره
الاداره
avatar

عدد المساهمات : 1976
نقاط : 12302
التفاعل مع الاعضاء : 35
تاريخ التسجيل : 05/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: مقاييس الأدب والطريق لمن يخشى على صدره من الضيق   الثلاثاء نوفمبر 05, 2013 2:05 am



 آدابـه مـع إخـوانـه


ولمّا أتمّ الكلام على آداب المريد مع شيخه، تعرّض لبيان آدابه مع الإخوان، وهذا هو الضّرب الثّالث، فقال



[rtl]﴿ وان تبغ يا سالك*تنجو من المهالك*تأدب مع إخوانك*واخدمهم الكليا [/rtl]
[rtl]﴿ ترى فيه شرفا*وحبهم شغفا*وكن بهم رؤفا*تحظى بهم هاديا [/rtl]


[rtl]الإخوان جمع أخ، وهو الرّفيق في الطّريق إلى الله تعالى، المبايع لشيخه أو لأحد خلفاء طريقه أو لأخيه، وآداب المريد مع إخوانه كثيرة لا يجب عليه التّخلّق بجميعها ابتداءً دفعةً بل بالتّدريج، لأنّ المريد مشغول أوّلا وبالذّات بحقّ الله تعالى عن حقوقهم، ولا قدرة له على الجمع بين حقّ الله وحقّ عباده على الكمال، ولذلك إنّما يؤمر ببعض أخلاق لابدّ منها في طريق المجاورة والخلطة ممّا هو متعيّن في طريق المعاشرة، ثمّ إذا انتهى سيره وبلغ مبلغ الكُمّل من الرّجال فهناك يُطالَب بالتّخلّق بها بأسرها، وبيان ذلك أنّ الأخلاق المحمّديّة لا تخلع على أحد إلاّ إذا دخل حضرة الله تعالى الخاصّة، وتلك حضرة يُحرم دخولها على مَن بقيت فيه بقيّة من رعونات النّفس، بدليل عدم صحّة الوضوء لمَن بقي فيه لمعة من أعضاء الوضوء لم يصبها ماء، فإذا استقرّ في تلك الحضرة خلع عليه من الأخلاق المرضية ما قُسم له، وأمِر أن يعطي كلّ ذي حقّ حقّه على الكمال، من صاحب وأخ وغيرهما، ولو أمِر بذلك ابتداءً لعجز وانقطع، لضعفه عن الجمع بين حقّ ربّه وحقّ العباد، إذا علمت ذلك عرفت أنّ مَن أراد النّجاة من مهالك نفسه فعليه بالتّأدب مع إخوانه.[/rtl]


[rtl]*ومن آداب المريد مع إخوانه خدمته لهم إذا استخدموه في مصالحهم أو استخدمه واحد منهم؛ وجملة ترى فيها الشّرف صفة لموصوف محذوف منصوب على المصدريّة، أي ٱخدمهم خدمة موصوفة بما ذكِر، ومن المعلوم أنّ الصّفات مخصّصات، والمعنى ٱخدمهم خدمة تعتقد فيها أنّ الفضل والمنّة للإخوان حيث ارتضوك لذلك وخصّصوك للقيام بها دون غيرك؛ وذلك لأمرين[/rtl]
[rtl]الأوّل لما في القيام بمصالح المسلمين من الثّواب الجزيل، فقد ورد }أنّ الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه{، وكون الباري جلّ وعلا في عون العبد، أي معينا له آخذا بيده، من أجلّ المرادات وأبلغ الآمالات، ولا شيء من الحالات أحسن منها، لاستلزامها رضا الله تعالى، الّذي هو السّعادة العظمى في الآخرة والأولى، وهو نهاية ما يناله الإنسان من القرب إلى حضرة الله تعالى.[/rtl]
[rtl]والثّاني لئلاّ يخطر بباله أنّ له المنّة والمزيّة عليهم بخدمتهم وقضاء مآربهم، فيكون ممَّن أفسد عمله بالمنّ ومحاه، كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، لأنّ المنّ يمحو الحسنات كما يمحو الماء الأثر.[/rtl]
[rtl]وفي الحديث }مَن نَفَّّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نَفَّس الله عنه كربة من كرب الآخرة يوم القيامة، ومَن يَسَّرَ على معسر يَسَّرَ الله عليه، وأحبُّ الخلق إلى الله أنفعهم لعباده{، وكلّ ذلك تنهيض لهم في مساعدة الإخوان، وتنبيه على ما فيها من الثّواب والامتنان، وتعليمٌ منه صلّى الله عليه وسلّم للوازم الأخوّة في الدّين، وإرشادٌ لما تقرّ به عيون الموحّدين، فالمريد الصّادق يرى خدمته إخوانه سيادة ينالها بذلك وشرفا يعلو به، لقوله صلّى الله عليه وسلّم }سيّد القوم خادمهم{، وهذا الحديث يحتمل معنيين[/rtl]
[rtl]الأوّل أنّ خدمة القوم تتعيّن على سيّدهم، والسيّد من ساد في قومه، كما قيل[/rtl]
[rtl]]بحلم وعلم ساد في قومه الفتى وكونك إيّاه عليك يسير[،[/rtl]
[rtl]ولا ريب في أنّ مَن يكفي قومه أمورهم، ويدفع عنهم ما يضرّهم، ويقرّب إليهم ما ينفعهم، يكون هو السيّد بينهم، والمُعوَّل عليه عندهم.[/rtl]
[rtl]والثّاني أنّ خادم القوم بما يحتاجونه سيّد، ساد بينهم بما يفعله من مكارم الأخلاق وسياسة ذوي الرّأي والإشفاق، بخلاف ما إذا رأى أنّ له عليهم فضلا ومنّة، فإنّ ذلك كما مرّ من أجلّ محنة.[/rtl]


[rtl]s ومنه ما أشار إليه بقوله وحبّهم شغفا، أي ومن الآداب المتعيّنة على المريد مع إخوانه محبّته لجميعهم، وإن تفاوت البعض فيها كما يشهد به الوجدان، وهي لازمة على كلّ واحد لكلّ مسلم ومسلمة، لكن تجب على أبناء الطّريق لبعضهم زيادة عن غيرهم، قال تعالى ﴿إنّما المؤمنون إخوة﴾، وقال صلّى الله عليه وسلّم }لا يكمل إيمان أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه{، وروى الشّيخان عن أنس قال [قال صلّى الله عليه وسلّم }ثلاث مَن كُنّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلاّ لله[{الحديث، فالمحبّة متعيّنة على كلّ أحد للجميع، سواء كان طائعا أو عاصيا، إنّما العاصي يجب كراهة أفعاله فقط مع نهيه عمّا صار به عاصيا، إذ الذّوات لا تُكره وإنّما تُكره بواعث العصيان.[/rtl]


[rtl]s ومنها ما أشار إليه بقوله وكنْ بهم رؤوفـا، أي من الآداب الواجبة على المريد مع إخوانه أن يكون شديد الرّحمة عليهم، لقوله عليه الصّلاة والسّلام }الرّاحمون يرحمهم الرّحمٰن{، ولأنّ الرّأفة من الأخلاق المحمّديّة، قال تعالى في وصف نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾. وقوله تحظى بهم من الحظوة بالضمّ والكسر، بمعنى المكانة ورفعة المنزلة، أي إن تلبسّت بالرّأفة بهم حصلت لك الحظوة عند الله تعالى بسببهم، وقوله هاديا حال من فاعل تحظى.[/rtl]
[rtl]ومنها ما نبّه عليه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ لا تتبع عورتهم*لا تنظر زلتهم*وعاد من عاداهم*بغير حق باغيا [/rtl]


[rtl]s أي من جملة آداب المريد مع إخوانه أن لا يتتبّع عوراتهم، ولا ينقّر عن زلاّتهم، بل يتعيّن عليه أن يتغافل عنهم، لقوله صلّى الله عليه وسلّم }مَن تتبّع عورة أخيه تتبّع الله عورته، ومَن تتبّع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله{، ولذلك قيل ]كلّ مَن اطّلع على عيوب النّاس فهو في حضرة الشّيطان، ومَن لم يستر إخوانه في جميع ما يراه من عوراتهم فقد فتح على نفسه باب كشف عوراته[؛ والفحص عن العورات إنّما ينشأ غالبا من رؤية الإنسان نفسه وإثبات مزيّة لها، فينبغي للمريد المدّعي سلوك طريق أهل التّوحيد أن يكون مغضّيا عن دنيء أحوالهم، كما قيل[/rtl]
[rtl]]وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة كما أن عين السّخط تُبدي المعايبا[،[/rtl]
[rtl]وفي الحديث }مَن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة{، وورد }أنّ الله سِتّير يحبّ من عباده السِّتّيرين{؛ فمَن رأى من أخيه زلّة أو عيبا ينبغي له أن يستره عليه ولا يهتكه به بين إخوانه. والزّلّة تطلق على الصّغيرة، ويكفّرها الوضوء أو التّوبة أو الاستغفار، فلهذا كان سترها أولى، فلربّما يأتي صاحبها بما يكفّرها من ذلك وأمثاله فيكون باقيا مع حاله، ويكون هَتكُ سرّه وإفشاء أمره غير مناسب له لرجوعه وتوبته.[/rtl]
[rtl]إذا علمت ذلك عرفت أن ستر العيوب أمر مندوب إليه، لا الرّضا بها والمساعدة عليها فإنّ ذلك حرام، بل يجب على كلّ أحد إذا رأى منكرا من أحد أن ينكره عليه حيث لا مسوغ له في الشرع، قال تعالى في معرض الذّم والتّقريع ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾، وقال تعالى ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، فٱفهم.[/rtl]


[rtl]s ومنها ما أشار إليه بقوله وعاد من عاداهم إلخ، يقول من جملة آداب المريد مع إخوانه أن لا يصادق مَن أعلن بعداوة إخوانه، لأنّهم بمنزلة الذّات الواحدة، فكلّ ما يُؤلم بعضهم يُؤلم جميعهم، بل ينبغي للمريد أن يتظاهر بعداوة مَن عادى إخوانه بغير حقّ شرعيّ، قياما بواجب حقوق الأخوّة، كما قيل ]حبيبي مَن يعادي مَن عاداني[، اللّهمّ إذا كانت عداوته سائغة شرعا، فإنّه حينئذ لا يجوز له عداوته بالباطل؛ وقوله باغيا حال من مفعول عاد، وهو ٱسم فاعل من البغي بمعنى الظّلم والعلوّ والاستطالة.[/rtl]


[rtl]ومنها ما نبّه عليه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ لا تعود نفسك*التخصيص عن أخيك*رغبة لأكلك*لو بأقل الأشيا [/rtl]


[rtl]s أي من جملة آداب المريد مع إخوانه أن لا يجعل تخصيص نفسه بشيء من الأشياء عادة لها من دون إخوانه، لأنّ ذلك يضادّ محبّتهم ويناقض حبّه لهم كما يحبّ لنفسه كما مرّ في الحديث، إلاّ إذا لم يجد بُدًّا من ذلك، كأن كانوا غائبين أو كان بعيدا منهم، فإنّه لا يمكنه حينئذ شركهم في ذلك الشّيء كائنا ما كان؛ وقوله رغبة منصوب على الفرض، وقوله أو بأقلّ الأشياء مبالغة في التّخصيص المنهيّ عنه والإيثار، وفي التّحفة ]ولو كان فجلة أو خيارة يعني قتاءة[، فإنّ مَن آثر نفسه بشيء على إخوانه فيما تشتهيه النّفس من المأكولات لم يفلح أبدا.[/rtl]


[rtl]ومنها ما أشار إليه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ يا مريد يا سالك*أشفق عن دين إخوانك*فنبههم في الحالك*وقيام الفجريا [/rtl]


[rtl]s يعني أنّ من جملة الآداب المتعيّنة على المريد في حقّ إخوانه أن يكون عنده شفقة تامّة على الأمور المتعلّقة بدين إخوانه، بحيث يحبّ لهم من الخير والثّواب مثل ما يحبّ لنفسه، فيحثّهم على الوضوء قبل الوقت ليدخل وقت الصّلاة وهم على أُهْبَة، ويحرضّهم على أداء المكتوبة جماعة، يُحكى عن الإمام المازنيّ [أنّه كان إذا فاتته المكتوبة جماعة أعادها خمسا وعشرين مرّة[؛ وقوله فنبهْهم في الحالك أي وقت شدّة سواد اللّيل، وأراد بذلك الثّلث الأخير من اللّيل، وقت السّحر وقت الغنائم، ويكون ذلك برفق؛ ومع ذلك لا بدّ أن يرى تنبيههم على عدم نومهم خيرا من عبادته لئلاّ يغترّ بحاله، لأنّ مَن رأى نفسه مساويا لجليسه فمدده واقف؛ وكذا يجب عليه أن يوقظهم لصلاة الفجر والتّأهّب لها، إذ هي الصّلاة الوُسطى عند فريق.[/rtl]


[rtl]ومنها ما دلّ عليه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ يا أخي فلا ترى*أحدا بلا مرا*دونك لو كافرا*هذا مادمت حيا [/rtl]


[rtl]s أي من جملة الآداب المتعيّنة على كلّ مريد أن يعتقد في نفسه أنّه أحقر إخوانه، ولا يرى أحدا دونه ولو كافرا، لأنّ خاتمة الأنفاس مبهمة على جماهير النّاس، قيل لعائشة رضي الله تعالى عنها ]متى يكون الرّجل عاقلا[، قالت ]إذا رأى نفسه دون غيره[، قال تعالى ﴿ألم ترى إلى الّذين يزكّون أنفسهم بل الله يزكّي مَن يشاء﴾، وقال تعالى ﴿فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمَن اتّقى﴾، لأنّ زكاة النّفس وطهارتها تكون بالتّقوى، والعالم بها سبحانه وتعالى، كما قال عزّ وجلّ ﴿إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، والعلم بالواقع عنده سبحانه وتعالى، وقد يُطلع عليه بعض المقرّبين، لكن غير مقطوع به إلى الآخرة، فالحكم بالأمر الغيبيّ من غير شاهد مشكل.[/rtl]
[rtl]وأضرّ ما على المريد أن يرى لنفسه مزيّة أو فضلا من نحو دعوى كمال أو اجتهاد، فإنّ ذلك دليل عدم الكمال وقلّة الأدب، لأنّ الكمال لا يكون إلاّ عند مَن ملك عنان نفسه وقهرها بالمخالفات والرّياضات والعبادات، حتّى لا يكون لها عليه سلطان، ويكون قد خرج من رقّها، فهناك يتخلّق بالأوصاف الكماليّة، ولذلك قيل ]كلّ جليس رأى نفسه خيرا من أصحابه فهو مثل إبليس، بسبب قوله أنا خير منه[، وفي الحديث }مَن تواضع لله رفعه الله، ومَن تكبّر وضعه{.[/rtl]
[rtl]وقوله ما دمت حيّا أي مدّة وجودك حيّا في هذه الدّار، وقبل اتّصالك بدار القرار.[/rtl]


ومنها ما أفاده بقوله

[rtl]﴿ لا تطلب رئاسة*قبل وقتها يا فتى*لا ترى إمامة*عليهم الكليا [/rtl]


[rtl]*أي من الآداب اللاّزمة للمريد في حقّ إخوانه أن لا يطلب الرئاسة والتّقدّم عليهم قبل حينه، فيتأخّر إلى وراء وينحط ّمن الثّريّا إلى الثّرى، وإن كانت فيه أهلية الإمامة فلا يتعرّض لطلبها، لما في ذلك من تحمّل سهو المأمومين مع ضعف حاله عن تحمّل سهو نفسه وغفلته عن ربّه؛ ولا يطلب التّقدّم في افتتاح الذّكر إلاّ إذا أقامه الأستاذ لافتتاح الأوراد والأذكار، أو جعله نقيبا على المريدين لينظر في الأحوال والأطوار، لأنّ الأستاذ لو علم أنّ في غيره أهليّة ذلك لقدّمه وأشهره بما هنالك، فالمراد بوقـتها الوقت الّذي يقيم فيه الشّيخ المريد لما ذكر، فحينئذ يتعيّن عليه القبول والقيام بذلك جهده.[/rtl]


ومنها ما أشار إليه بقوله

[rtl]﴿ إذا آذوك إخوانك*سامحهم أيا سالك*لا تسمع من نم لك*أو جاءك واشيا [/rtl]


[rtl]يعني من آداب المريد مع إخوانه أن يصفح عن كلّ مَن آذاه منهم ويتجاوز عنهم، لأنّ العفو أقرب للتّقوى، قال تعالى ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس والله يحبّ المحسنين﴾، فينبغي للمريد الصّادق إذا حصل له أذى من بعض إخوانه بأمر من الأمور، أن يتحمّل أذاه أوّلا، ويتجاوز عنه ثانيا، لأنّ في عدم تحمّله وعدم تجاوزه انتصارا لنفسه وقياما بغرضها، وهذا غير مناسب لأبناء الطّريق المدّعين سلوكها، فقد كان صلّى الله عليه وسلّم مصفحا عمَّن آذاه، وقد أوذي صلّى الله عليه وسلّم بما لا مزيد عليه، ولا يتوصّل أحد إليه، ولأنّ الإنسان إذا أخذ في أذيّة كلّ مَن ناله شرّه في هذا الزمان، لزمه معاداة أبنائه كلّهم.[/rtl]


[rtl]*ومنها أن لا يسمع في جانب إخوانه كلام نمّام ولا يصدّقه، وإن نُقل إليه أنّ إخوانه يكرهونه ويقولون فيه.[/rtl]


[rtl]*ومنها أن لا يصدّق في إخوانه كلام الوشاة ولا يلتفت إليهم، وذلك إمّا بإلغاء كلامهم والإعراض عنهم وترك كلامهم وراء ظهره نسيا منسيّا، وإمّا بردعهم وزجرهم ومنعهم من العودة إلى ذلك، ويقول لهم ]أنا من محبّة إخواني على يقين، وكلامكم هذا ظنّ، ولا أترك اليقين بالظّنّ[؛ والواشي النّاقل والحاكي، من وشى به إلى السلطان إذا سعى به قصدا للضّرر، قال تعالى ﴿يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا﴾ الآية، ولأنّهم قالوا ]مَن نمّ لك نمّ عليك[.[/rtl]


ومنها ما أفاده بقوله

[rtl]﴿ تكرم على إخوانك*لا تؤذيهم يا سالك*بنومك وكسلك*في ذكرك بالجمعيا [/rtl]


[rtl]أراد بالتّكرّم على الإخوان معاملتهم بالتّفضل والإحسان، وذلك بأن يؤثرهم بما يطلب منه من المستحسنات الموجودة عنده، لأنّ ذلك شأن العارفين وشعار السّلف الصّالحين، قال تعالى ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾، أي فقر وحاجة، ولذلك قيل ]أنّ أكمل الحالات أن تُؤثِر إذا وَجَدت، وتشكر إذا فَقْدت[، وفيه مع ذلك كمال تهذيب النّفس بقمعها وإبعادها من مشتهياتها.[/rtl]


[rtl]s ومنها أن لا يؤذي إخوانه بنومه في حلق الذّكر أو العلم، أو بإظهار كسله في الحالين، لأنّ ذلك من سوء الأدب الموجب للمقت، فقد ورد }أنّ المؤمنين كالبنيان يشدّ بعضه بعضا{، فالعاقل مَن ألزم نفسه الطّاعة وأكرهها عليها، حتّى تتمرّن وتذوق حلاوتها، وطهّرها من رجس الشّرك والملل؛ ومَن تلبّس بذلك فعليه وزره و وزر كلّ مَن تبعه فيه، لأنّه إذا نام أو كسل وكان جليسه نشيطا ربّما تبعه في ذلك، فيكون سببا في أذيّته بحرمانه النّشاط في عبادته ربّه، الّذي هو أمارة الهداية، قال البوصيريّ[/rtl]
[rtl]]وإذا حلّت الهداية قلبا نشِطت للعبادة الأعضاءُ[.[/rtl]
[rtl]والباء من قوله بنومك سببيّة، وهي مع المجرور صلة تؤذيهم، وقوله في ذكرك بالجمعيّا أي في زمن ذكرك مع الجماعة.[/rtl]


ومنها ما بيّنه بقوله

[rtl]﴿ لا تكن إمامهم*في الخروج قبلهم*من مجلس ذكرهم*من قبل الفراغيا [/rtl]


[rtl]s يعني من جملة الآداب الواجبة على المريد أن لا يكون قدوة لإخوانه في الخروج من مجلس الذّكر قبل الفراغ منه، حتّى لا يقتدي به غيره في ذلك، لأنّه يكون حينئذ سَنّ سنّة سيّئة، وفي الحديث }مَن سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم الدّين{، ولأنّ الخروج من مجالس الذّكر يضعّف قلوب الذّاكرين ويشوّش عليهم، ولاسيّما إذا احتبك المجلس من شدّة الذّكر، وربّما يقتدي به غيره فتضعف حلقة الذّكر، لأنّ المجالس إنّما جعلت للتّقوّي والتّعاون على العبادة.[/rtl]


ومنها ما أشار إليه بقوله

[rtl]﴿ وأحبب كثرة الإخوان*في ذكرك الرحمان*وأرشدهم بالإحسان*في الآداب الشرعيا [/rtl]


[rtl]s يقول من جملة الآداب المتعيّنة على المريد كثرة حثّه إخوانه على حضور مجالس الذّكر ومواطن العبادة، رغبة في تكثير الإخوان في الذّكر جماعة، محبّة في الله عزّ وجلّ.[/rtl]


[rtl]*ومنها أن يرشد إخوانه ويعلّمهم الآداب الشّرعيّة والعُرفيّة على سبيل النّصح، لقوله صلّى الله عليه وسلّم }الدّين النّصيحة{، قيل ]لمَن يا رسول الله[، قال }لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم{، من غير أن يرى فضلا لنفسه عليهم، فقد يكون أحدهم أخلصَ منه لله وأحسنَ معاملة، فلا يلزم من كونه أعلم كونه أفضل عند الله منهم.[/rtl]


[rtl]ومنها ما أرشد إليه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ كن إماما للرجال*في الأصعب من الأعمال*منها كسهر الليال*كذاك الدنيويا [/rtl]
[rtl]﴿ مواطن غفلتهم*تذكر لرحمتهم*مرهم ترك بغيهم*على كل باغيا [/rtl]


[rtl]أي من الآداب الواجبة على المريد السّالك طريق أهل التّجريد، أن يكون قدوة لإخوانه في كلّ عمل شاقّ من الأعمال الدّينيّة والدّنيويّة؛ ومَثّل المصنّف رحمه الله تعالى الأوّل بسهر اللّيالي في عبادة الله تعالى، وقسْ على ذلك سائر الأعمال الدّينيّة، لأنّ الدّلالة على صالح العمل بالفعل أقوى وأوقع في النّفس من الدّلالة عليه بالقول، فتهجّدك بين إخوانك مع سلامة قلبك أشدّ تأثيرا في التّرغيب في التـّهجّد من أمرك لهم به، فلا ينبغي للمريد أن يأمر إخوانه بالقيام وهو ينام، ولا أن يُزهّدهم في الدّنيا وهو يجمعها، ولا أن يأمرهم بالصّيام وهو يفطر.[/rtl]
[rtl]وكذلك يكون قدوة لهم أيضا في الأعمال الشّاقة الدّنيويّة، المنوطة بشيخه أو إخوانه.[/rtl]


[rtl]*ومن الآداب اللاّزمة للمريد في حقّ إخوانه أن يراعي مواطن غفلة الإخوان عن الذّكر أو غيره من العبادات، فيذكر الله تعالى لتنزل عليهم الرّحمة، ويكون محسنا إليهم بإرشادهم لتحصيل الثّواب بذكر ربّ الأرباب، ويحصل له من الأجر ما يعلمه الله تعالى، وربّما كان ذكر الواحد في وقت غفلة إخوانه في الأجر والثّواب بعدد مَن غفل منهم.[/rtl]


[rtl]*ومنها أيضا أن يأمرهم بترك الباغي عليهم، ولا يأمرهم قط ّبمقابلة الباغي بالبغي، وفي الحديث }أدّ الأمانة إلى مَن ائتمنك ولا تخنْ مَن خانك{، وفي الزّبور ]يا داود لا تبغْ على مَن بغى عليك إن أردت أنّي أنصرك، فمَن بغى على مَن بغى عليه تخلّف عن نصري له[.[/rtl]


[rtl]ومنها ما أشار إليه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ لا تغفل عمن مرض*إخوانك يا حافظ*اخدمهم بلا غرض*من الأمور نفسيا [/rtl]


[rtl]*أي من الآداب الواجبة على المريد في حقّ إخوانه أن يتعهّد مَن مرض منهم ويتفقّده، ولا يغفل عن خدمته وإصلاح أمره، ولا سيّما في اللّيل حين ينام النّاس ويتركونه، وليس له أهل ولا أولاد، فإنّه يجب على كلّ مريد خدمته والقيام بشؤونه، وقد ورد }أنّ العبد يُسأل يوم القيامة عن حقوق إخوانه وأصحابه{.[/rtl]
[rtl]ثمّ إن كان المريض ليس معه ما ينفقه، وجب على إخوانه أن ينفقوا عليه من مالهم أو يقترضوا له، ورُوي }أنّ الله في عون العبد ما دام في عون أخيه{.[/rtl]
[rtl]وأشار بقوله ٱخدمهم بلا غرض إلى أنّه يجب عليه مع ذلك الإخلاص في خدمته، لا يريد جزاء ولا شكورا، فإنّ العمل إذا كان مشوبا بشيء من الأغراض النّفسانيّة لا يصعد إلى السّماء ولا يقبله الله تعالى.[/rtl]


[rtl]ثمّ قال[/rtl]
[rtl]﴿ لا تدخل عليهم غم*لا تدخل عليهم هم*لا تذكرهم بذم*وادع لهم مولايا [/rtl]


[rtl]*وفي التّحفة ]من الآداب أن لا يُدخِل على إخوانه أو شيخه غمّا، إذا أرسله شيخه إلى شخص من الحكّام أو غيرهم ممّن لا يعتقد ولم يقض حاجته أو سبّ شيخه، فمن الأدب أن يقلّب ذلك الكلام بضدّه بسياسة لطيفة، ولا يُدخل على الشّيخ والإخوان غمّا بذلك الكلام الجافي، بل يأتي بألفاظ حسنة ولا يقول إلاّ خيرا، وإن كان الشّخص الّذي يشفّع فيه الشّيخ لا يستحقّ شفاعة لقبح ذنبه؛ ثمّ إن لقي الّذي سبّ شيخه ونقصه بلّغه السّلام من شيخه وأعرض عن فعله الصّادر منه ولا يعاتبه، فإنّ ذلك ممّا يؤلّف القلوب ويزيل الضّغائن ويقلّل أعداء الفقراء[.[/rtl]


[rtl]*ومن الآداب أن لا يدخل عليهم الهمّ بوجه من الوجوه؛ وصنيع المصنّف رحمه الله تعالى صريح في المغايرة بينهما، وهو الّذي عليه فريق من أهل اللّغة، فالغمّ ما يحصل للقلب من الحزن على فائت بسبب ما حصل ومضى، والهمّ ما يحصل للقلب من الحزن على آت بسبب ما يُتوقّع حصوله من الأذى، وقيل ]هما بمعنى[، إختار الفرق عياض.[/rtl]


[rtl]*ومن الآداب أن لا يذمّ أحد من إخوانه، لأنّ ذلك ممّا يثمر البغضاء ويوقع في العداوة، بل يتعيّن على المريد إذا سُئل عن واحد من إخوانه أن يثني عليه ويمدحه بما يعلم من حسن أخلاقه وكمال آدابه، ويكفّ عن كلّ شيء يعلمه ممّا يفيد الذّمّ والقدح، ولا يكون كما قيل [/rtl]
[rtl]]يرى الإنسان عيبا في أخيه فيظهره ويخفي عيب نفسه[؛[/rtl]
[rtl]فقوله لا تذكرهم بذمّ أي لا تصريحا ولا تلويحا، فالتّصريح ظاهر والتّلويح كانّ، يقول للسّائل عن أخيه [لا نعلم ظاهرا فيه إلاّ خيرا]، ففي هذه المقالة إيماء إلى أنّ له في الباطن أمورا قبيحة لا ينبغي إظهارها ولا كشفها، أو ما يُشعر بمثل ذلك، فليتنبّه الصّادق لمثل ذلك ويفرّ منه ما أمكنه، فإنّه أعظم قاطع وأجلّ مانع.[/rtl]


[rtl]**تـنـبـيـه، يستحبّ للمريد إذا رأى شيئا منكرا من أخيه أن يتدارك له احتمالات حتّى لا يكون قد وقع في أخيه، فإذا أعيته الاحتمالات فيقول [لعلّي لم أظفر باحتمال ينفي عنه ذلك، أو لم يبلغ علمي ما هناك]، لأنّ سوء الظّنّ بالمسلم قبيح، قال تعالى ﴿إنّ بعض الظّنّ إثم﴾، وهو سوءه.[/rtl]


[rtl]*ومن الآداب على كلّ مريد في حقّ إخوانه أن يدعو لهم في سرّه وإعلانه، لأنّ الدّعاء نافع وثمرته محقّقة، وإنّه وإن طال أمده فلا يستبطئ إجابته ومدده.[/rtl]
[rtl]وله شروط، أفردها بعضهم بالتّأليف وأوصلها إلى ثلاثين، ومن جملتها الطّهارة ظاهرا وباطنا، وعدم تناول الحرام، والإيقان بالإجابة، والإخلاص في الأعمال، وغير ذلك.[/rtl]
[rtl]فهو مندوب إليه، وسُنّة جادّة يعوّل عليه، قال صلّى الله عليه وسلّم }دعاء المؤمن لأخيه في ظهر الغيب مستجاب{، وهو دليل خلوص المحبّة بين الإخوان، وصفاء السّريرة وكمال الإيمان.[/rtl]


[rtl]ومنها ما بيّنه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ أكرمن واردهم*نظف مستراحهم*قدم حوائجهم*عن نوافل الكليا [/rtl]


[rtl]*أي من الآداب اللاّزمة للمريد في حقّ إخوانه إكرام كلّ وارد عليه من الإخوان بما تيسّر له من غير تكلّف، قال الشّعرانيّ رحمه الله تعالى ]أُخِذَت علينا العهود أن لا نبخل بموجود ولا نتكلّف بمفقود[؛ والوارد الوافد عليك والقادم إليك.[/rtl]


[rtl]*ومنها تنظيف كنيف مكان اجتماعهم من القذر، وليكن ذلك في وقت لا يراه أحد منهم، كالأسحار وأوقات الغفلة، ثمّ لا يتحدّث بما يراه من القاذورات، وإذا رأى المطهرة خالية من الماء ملأها من البئر إعانةً لإخوانه.[/rtl]


[rtl]s ومنها أن يقدّم حوائج إخوانه الضّروريّة على نوافله، لأنّ الخير المتعدّي نفعه أفضل من القاصر على فاعله؛ ويؤنّس أخاه المستوحش ويؤمّنه إذا كان خائفا.[/rtl]


[rtl]ومنها ما أشار إليه بقوله [/rtl]
[rtl]﴿ لا تتركهم في الغفلة*وجلوس السَّفِلة*رغبهم في ذكر الله*صباحا ومسيا [/rtl]
[rtl]﴿ لا تكن قدوتهم*في سوء آدابهم*كتزويج بعضهم*بلا إذن المربيا [/rtl]


[rtl]s أي من الآداب اللاّزمة للمريد في حقّ إخوانه إيقاظهم من نوم غفلتهم، وحثّهم على تركهم مجالسة البطّالين، المنهمكين في اللّذات والشّهوات، المعرضين عن ذكر الله وغيره من النّوافل وأنواع العبادات، المعمّرين أوقاتهم بأصناف المخالفات والشّبهات، وفي الحديث }مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأن مواطن التّهم{.[/rtl]
[rtl]فإذا علمت ذلك عرفت أنّ المراد بالسَّفِلة الفاسقة، والله جلّ وعلا لا يحبّ الفاسقين، ومَن جالس مَن لا يحبّه الله تعالى من غير ضرورة كان من الجاهلين؛ والسفلة بكسر الفاء غوغاء النّاس وسُقّاطهم، وفي الصّحاح ]وبعض العرب يخفّف فيقول فلان من سِفْلة النّاس، فينقل كسرة الفاء إلى السّين[اهـ، فتصير بوزن سِدْرة وهي في البيت بالتّثقيل.[/rtl]


[rtl]s ومنها حثّهم وتحريضهم على ملازمة ذكر الله، وترغيبهم في حضور حُلق الذّكر في الصّباح والمساء.[/rtl]


[rtl]s ومنها أن لا يكون قدوة لإخوانه في ارتكاب ما يفضي إلى سوء الأدب مع الشّيخ، كأن يطلب الدّنيا بالوظائف والحرف، أو يتزوّج بغير إذن أستاذه، فيقتدي به غيره في ذلك ويحتجّ به وبقبيح صنعته، لأنّ التّلبّس بكلّ ما يؤدّي إلى حصول سوء الأدب مع الأستاذ موجب للمَقت، ولاسيّما إذا كان ذريعة لإتّباع غيره له فيه، فليتنبّه المريد لذلك، ليفوز بمرضي الأحوال هنالك.[/rtl]


[rtl]وأشار بقوله[/rtl]
[rtl]﴿ خذ الموسى لهم*خذ المقص لهم*خذ الإبرة لهم*الخيط المشط الآنيا [/rtl]


[rtl]s إلى أن من جملة الآداب المتعيّنة على المريد في حقّ إخوانه أن يسعى في مصالحهم وإيصال النّفع لهم ودفع المضرّة عنهم بما أمكنه، وذلك بأن يتّخد لهم ما يحتاجونه غالبا من الآلات كالموسى للحَلْق وغيره كالمقرض لتقصير الشّعر ونحوه، والإبرة للخياطة، والمخرز للخرز، والمُشط لتسريح الشّعر وترحيله، والخلال والمسواك، والسّجّادة للصّلاة، والآنية للوضوء والشّرب وغيره.[/rtl]


[rtl]ثمّ ختم الكلام على آداب المريد مع إخوانه بالتّرغيب فيها، فقال [/rtl]


[rtl]﴿ يا من تريد الثبات*حصل هذا الأدبات*تبلغ إلى درجات*سادتنا الصوفيا [/rtl]
[rtl]﴿ إن فعلت ما ذكر*وحصلت ما سطر*فاض عنك كل خير*كنت من الأوليا [/rtl]


[rtl]يقول أيّها المريد إن أردت قرب الحضرات، واستنشاق عَرف النّفحات، وقصدت الثّبات في الحياة الدّنيا وبعد الممات، حَصِّلْ جميع هذه الأدابات بحفظها والعمل بها، فإنّك إن حَصَّلتها بلغت وترقّيت إلى درجات، أي مقامات، ساداتنا الصّوفيّا.[/rtl]


[rtl]ثمّ أكّد ذلك بقوله إن فعلت ما ذكر إلخ، أي إن تأدّبت بما ذكره من آداب العارفين، وحصَّلت التّحقّق بالتّخلّق بما سطّره من صفات المريدين الصّادقين، أفاض الله تعالى عليك كلّ خير من الأسرار والمتجلّيات، وصيّرك من أوليائه أرباب الأحوال والمقامات، فٱجتهدْ أيّها المريد في العمل بهذه الآداب، لتنال الآمال والآراب، فإنّها هي كنز المريدين، ورأس مال السّالكين، جعلنا الله ممَّن تأدّب بالآداب المحمّديّة، ودأب عليها لينال المنازل العليّة.[/rtl]
[rtl]فقوله فاض عنك كلّ خير إلخ جواب إن، وجملة وحَصَّلت معطوفة على الشّرط، وجملة كنت معطوفة على الجواب[/rtl]

[rtl].[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مقاييس الأدب والطريق لمن يخشى على صدره من الضيق
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الملتقى الصوفى للنور المحمدى :: ๑۩۩۩۩ ملتقى العرفان الصافى المصفى ۩۩۩۩๑ :: ๑۩ الصوفية رحلة وجد وشوق ۩๑-
انتقل الى: