بخصوص الصوفية، ما زال في زماننا منهم بقية. هم في أبسط الأوصاف: القوم الذين اعتنوا بأحوال القلوب، وتخصصوا في تزكية النفوس، وتربية الأخلاق. غيرهم من علماء المسلمين تخصص في فقه أحكام الظاهر. وقسم آخر تخصص في علوم الحديث الشريف...إلخ. فالتصوف علم مهم من العلوم الإسلامية. والصوفية موجودون منذ بداية الأمة، وإن أتت تسميتهم متأخرة قليلا.
ِ
إذا كنت تعرف صوفيا حقيقيا في هذا الزمان، فلا تستغرب منه. فإنك لن تجده على حال واحد. ولن تسمع منه كلام المشايخ النمطي. فالصوفي كلامه حاكم. أما الفقهاء ... فكلامهم محكوم مهما بلغ في العبقرية، يظل كلامهم محكوما بالاجتهاد البشري وبالمعطيات التي يروها وبالقواعد التي درسوها.
ِ
وذلك ببساطة، أن الصوفية يلعبون بالمتيافيزيقا. يعني الميتافيزيقا هذه التي انعصر مخ أفلاطون وأرسطو عصرا، فقط لكي يستطيعوا أن يتكلموا (شيئا) عنها. الصوفي يلعب بها بأصابع اليد الواحدة لعبا. والميتافيزيقا هي باختصار (ما فوق الطبيعة) ... أو الأمور التي ليست تحت حكم القوانين الفيزيائية المعتادة.
ِ
وهذا ما يجعل الصوفية هم أرباب المعاني.
يعني مهما سمعت عن مفهوم (المحبة)، فلن تسمع عنها كلاما أرقى من كلام الصوفية.
ومهما سمعت عن خفايا النفوس، فلن تسمع أدق وأعجب من كلام الصوفية عنها. حتى المواضيع الفلسفية الجافة الميتة، تسمعها منهم فإذا هي حيّة تسعى! كما ان كلامهم أكثره مرموز. أي يحملوه العديد من المعاني ... والشاطر هو الذي يظل يحلب الضرع حتى يجف، إن جفّ.
ِ
والصوفي (الحقيقي) لا يُكلمك غالبا بما تريد أو تتوقع. وذلك لأن حركاته وسكناته بالله. إي ينتظر إشارة الله قبل أن يفعل أو يتحدث. فإذا رأى الإشارة خضراء بأن يتكلم، تكلم. وإلا توقف، أو قال شيئا مختلفا. وهذا الشيء المختلف، ستنساه لدى خروجك من عند الصوفي. وستتعجب! أنه ماذا قال آنفا!
ِ
الصوفي الحقيقي ... يسير حسب إشارات الله، ويمشي حسب سننه. ولها علامات، علمها إياه ربه. وهو يعمل بالأمر. فقد يريد [بأمر نفسه] أن يوصل لأحد معنى أو معلومة ما، ولكن لأن الله يحفظ نفس الصوفي من أن تعمل بأمرها هي، يجبره على أن يُري غيره من نفسه عكس ما كان يريد!
ِ
ولذلك لا تستغرب إن تعاملت مع صوفي أن لا تفهم شيئا من طباعه. وإن لم تكن معتقدا بسره، مريدا له، طالبا لشيء من المعرفة التي وهبه الله إيهاها، أقول، إن لم تكن كذلك على الأقل، فلن تحتمل العيش مع صوفي حقيقي. وربما تسيء به الظنون. لأن معاييرك في الحكم غير معاييره. الصوفي ينظر من فوق .. كما ينظر الله. يعني هو يتبنى وجه نظر الله. ولذلك فسيتصرف حسب هذه الرؤية الواسعة. فتراه قد يعذر المسيء، ويعاقب المحسن. وهو يقول (ليت قومي يعلمون).
ِ
إذا وقع في قلبك أن فلانا من الناس صوفي ولي عارف بالله ... فاتبع قلبك وحدسك. وتقرب منه، وخذ عنه. علك من خلاله تحظى بشيء من العلم اللدني {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} [الكهف:65]
ِ
إن رأيت أو قرأت شيئا من كلام الصوفية يشي بنوع من الجنون والشطح ... فاعلم أن ظنك صحيح. لو ذقت ما ذاقوا لكان ما قرأت منهم عين العقل. فهم مجانين ... أجل ... مجانين بالله. وكما قال قائلهم عنهم؛ السيد المفخّم المقدم، وصاحب السر، الملثم، سيدي العطّاب، ومن هو للأسير جيّاب. مولاي أحمد البدوي، فداه روحي وقلبي وأمدّنا الله وحزبي بأمداد من حلاه والحُلي:
ِ
مجانين إلا أن سرّ جنونهم ***** عزيزٌعلى أعتابه يسجد العقل